facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الطالب بين استهلاك المحتوى وفقدان الفكر: أزمة التعليم الرقمي


د. الاء طارق الضمرات
11-02-2026 04:07 PM

نواجه في ظل ما نشهده من تقدم رقمي متسارع تحولات جوهرية في منظومة التعليم، انعكست بشكل مباشر على دور الطالب ومكانته في العملية التعليمية، فالطالب اليوم ليس متعلمًا بقدر ما هو مستهلك، ليس باحثًا عن المعنى بل جامع روابط، ليس صانع فكرة بل ناقل ملفات، يتحرك داخل طاحونة رقمية تطحن الأسئلة وتنتج إجابات جاهزة، يبتلع المحتوى كما يُبتلع الهواء، دون تذوّق، دون تفكير، دون مقاومة، والمعرفة لم تعد رحلة عقل، بل عملية تحميل، والوعي لم يعد بناءً داخليًا بل شاشة ممتلئة، يعيش في فيضان معلوماتي لا يترك مساحة للتأمل، محاطًا بضجيج معرفي كثيف، بينما تُدفن الأسئلة الكبرى في قاع الذاكرة، ويتآكل التفكير النقدي بصمت، ويتحوّل التعليم تدريجيًا من تجربة إنسانية غنية إلى مجرد استهلاك رقمي بلا معنى.

نحن في حيرة، حيرة حقيقية، لأن هذا عصر مختلف عمّا سبق، عصر لا تُقاس فيه المعرفة بعمق الفهم، بل بسرعة الوصول، ولا تُبنى فيه الحكمة بالتجربة، بل بالخوارزميات، عصر تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، بينما يتآكل التفكير النقدي بصمت، عصر نملك فيه كل الأدوات، ونفتقد فيه الاتجاه، عصر يقدّم للطالب العالم بضغطة زر، لكنه يسحب منه القدرة على التأمل، وعلى الشك، وعلى إعادة بناء المعنى.

لقد انتقلنا من عصر “بناء العقل” إلى عصر “إطعام العقل”، من فلسفة السؤال إلى ثقافة الإجابة الجاهزة، من الطالب المفكر إلى الطالب المستخدم، مستخدم للتطبيقات، مستخدم للمنصات، مستخدم للذكاء الاصطناعي، دون أن يكون منتجًا للفكرة أو صانعًا للمعنى، يمتلك أدوات مذهلة، لكنه يفتقد البوصلة الفكرية، ينسخ، يلصق، يحفظ، يسترجع، ثم يفرغ ذاكرته بعد الامتحان، بلا أثر معرفي، بلا تحول داخلي، بلا نمو حقيقي.

الطالب اليوم يعيش داخل طوفان معلوماتي هائل، لكنه يفتقر إلى العمق، يملك الوصول إلى ملايين المصادر، لكنه عاجز عن بناء موقف فكري مستقل، يتقن البحث السريع، لكنه يفتقد مهارة التحليل، يعرف أين يجد الإجابة، لكنه لا يعرف كيف يصوغ السؤال، يكرر ما يُعرض عليه، دون مساءلة، دون نقد، دون إعادة تشكيل المفاهيم.

الأخطر من ذلك، أن النظام التعليمي نفسه يشارك في هذه الجريمة المعرفية، مناهج تكدّس المعلومات، اختبارات تكافئ الحفظ، تقييمات تقيس الاسترجاع لا الإبداع، صفوف دراسية تُدار بعقلية المصنع، مخرجات موحدة، تفكير مكرر، شخصيات متشابهة، جامعات تتحول تدريجيًا إلى منصات بث معرفي، ومعلمون يُختزل دورهم في تقديم شرائح عرض، وطلبة يُقاس نجاحهم بعدد الإجابات الصحيحة لا بعدد الأسئلة العميقة.

أين الطالب الذي يشكّك، أين الطالب الذي يجادل، أين الطالب الذي يعيد تعريف المفاهيم، أين الطالب الذي يخلق المعرفة بدل أن يستهلكها، لقد تحوّل كثير من الطلبة إلى مستودعات رقمية، تستقبل البيانات، وتفرغها في ورقة امتحان، ثم تنساها، لا أثر فكريًا، لا تراكمًا معرفيًا، لا قدرة على الربط أو التركيب أو الإبداع.

الجامعة التي كانت يومًا مصنع العقول أصبحت في كثير من الحالات مركز توزيع محتوى، والمعلم الذي كان محفزًا للفكر أصبح ناقل معلومات، والطالب الذي كان مشروع عالم أو مفكر أصبح رقمًا في نظام، ونقطة في رسم بياني، نخرّج أجيالًا تعرف الكثير عن كل شيء، ولا تفهم شيئًا بعمق، تمتلك أدوات العصر، لكنها تفقد روحه.

المشكلة ليست في التكنولوجيا، وليست في الذكاء الاصطناعي، وليست في الميتافيرس، المشكلة في الفلسفة التي تدير هذه الأدوات، في غياب الرؤية الإنسانية للتعليم، في تحويل المعرفة إلى منتج سريع الاستهلاك، وفي اختزال الطالب إلى مستخدم، لا إلى فاعل معرفي.

التعليم الحقيقي لا يصنع موظفين، بل يصنع وعيًا، لا يخرّج حافظين، بل يطلق مفكرين، لا يكدّس عقولًا، بل يحرّرها، والسؤال المؤلم، هل نملك الشجاعة لإعادة تعريف دور الطالب، هل نجرؤ على كسر نموذج “الطالب المستهلك”، هل نستطيع استعادة الطالب كمنتج معرفة، كمحرّك تغيير، كصوت نقدي في عالم مزدحم بالضجيج الرقمي.
إن لم نفعل، سنستمر في تخريج أجيال تحفظ العالم في أجهزتها، وتفقده في عقولها، تعرف كل شيء، ولا تفهم شيئًا، تمتلك أدوات المستقبل، وتعيش بعقلية الماضي.
والكارثة الكبرى، أننا سنسمّي ذلك تطورًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :