بين الألم والحكمة قراءة واعية لمشاهد الفقر المنتشرة على وسائل التواصل
أمين عربيات
19-02-2026 11:38 AM
في الايام الاخيرة انتشرت مقاطع فيديو تتحدث عن الجوع والفقر والضائقة المعيشية ويظهر فيها ابناء من مجتمعنا الاردني ومن خلفيات عشائرية معروفة. مشاهد موجعة وصادمة ولا يمكن التعامل معها ببرود لكن في الوقت نفسه لا يجوز التعامل معها بانفعال يقودنا الى تعميم ظالم او قراءة مبتورة للصورة الكاملة.
نعم هناك ضائقة اقتصادية حقيقية. نعم هناك قرارات تحتاج الى مراجعة جادة ومسؤولة. نعم هناك اسر تعاني بصمت وتنتظر انصافا عمليا لا خطابات. هذه حقائق لا ينكرها عاقل ولا يجوز القفز فوقها. لكن تحويل هذه الحالات الى عنوان شامل عن وطن بكامله فيه قدر كبير من الظلم والمبالغة.
الاردن لم يكن يوما مجتمعا منكسر الارادة ولا دولة عاجزة. عشائره لم تكن عنوان عوز بل عنوان كرامة وتكافل وستر. لذلك فان اختزال صورة المجتمع في مشاهد صادمة يعاد نشرها بلا سياق يسيء الينا جميعا ويخدم كل رواية تريد بث الاحباط وفقدان الثقة.
الغيرة على الوطن لا تعني الصمت عن الخطأ بل تعني مواجهته بوضوح. ومن الوضوح ايضا الاعتراف ان جزءا من ازمتنا مرتبط بانماط سلوكية واستهلاكية خاطئة تسللت الى حياتنا. سباق في المظاهر ضغط اجتماعي مرهق قروض تتراكم بلا تخطيط وانفاق بدافع المقارنة لا الحاجة. هذه الثقافة استنزفت كثيرا من الاسر وعمقت ازماتها حتى قبل ان تشتد الظروف الاقتصادية. لا يجوز ان نحمل الدولة كل العبء ونعفي انفسنا من مراجعة اولوياتنا.
المسؤولية مشتركة. على صانع القرار ان يعيد النظر في السياسات التي اثقلت كاهل المواطن وان يصارح الناس بحقائق المرحلة. وعلى المجتمع ان يستعيد ثقافة الانتاج والعمل والادخار بدل الاستعراض والاستهلاك المبالغ فيه. لا اصلاح حقيقيا من طرف واحد.
ما يقلقني ليس كشف المعاناة بل استثمارها. ليس النقد بل تحويله الى خطاب سوداوي دائم. النقد الغيور يبني ويضغط باتجاه التصحيح اما التهويل فيصنع فجوة بين الناس ودولتهم ويضعف الجميع.
الاردن يمر بمرحلة دقيقة لكنه ليس هشا. اقوى ما فيه شعبه حين يكون واعيا وصريحا ومتوازنا. بين الانكار الكامل والسوداوية الكاملة مساحة وطنية اسمها المسؤولية. وفي هذه المساحة يجب ان نقف.
هذا موقف غيور لا يزايد ولا يجامل ولا يصمت.
حمى الله الاردن