الصوم وحدود الحرية الإنسانية
د. بركات النمر العبادي
19-02-2026 02:26 PM
الحرية ، في صميم الفكر الإنساني ، ليست مجرد انفلات من القيود ، بل هي القدرة على توجيه الإرادة نحو غاية عليا ، و الفلسفات الحديثة غالبًا ما ربطت الحرية بإشباع الرغبات ، لكن الإسلام يعيد تعريفها : الحرية الحقيقية هي تحرر الإنسان من سلطة شهواته ، وليس مجرد تحرره من القيود الخارجية.
وفق منهج الأشاعرة ، الإرادة الإنسانية ليست مستقلة تمامًا عن الإرادة الإلهية ، لكنها مسؤولة عن توجيه أفعالها بما يرضي الله ، وفق مفهوم “الكسب”. بهذا المعنى، ليس الصوم مجرد حرمان جسدي ، بل تمرين عملي على إدارة الإرادة وتوجيهها.
الصوم يعيد ترتيب العلاقة بين العقل والرغبة والشهوة ، و الجوع المؤقت يخلق فرصة لتمرين الإرادة ، والامتناع عن المباح يوضح قدرة الإنسان على الانضباط.
وفي هذا السياق يقول ابن القيم الجوزية” : “النفس إذا أطلقت على هواها تصبح عبدًا له ، أما ضبطها فهو حرية حقيقية”. ومن منظور الغزالي ، الصوم يشمل الجسد والنفس والقلب ، ليصبح تمرينًا على وحدة الوجود الداخلي.
وفي رمضان ، كل ساعة صوم هي تذكير مستمر بالنية والهدف ، ليس الجوع وحده هو الصعب ، بل الحفاظ على الاتزان النفسي والروحي في مواجهة الرغبات اليومية ، وهو ما يجعل الصوم مدرسة متكاملة للحرية الواعية.
في الختام، الصوم إذن ليس قيدً ، بل اختبارًا لنضج الإرادة. كل “لا” للصائم تحرّر قلبه، وكل “نعم” لله يوجه إرادته نحو المعنى الأعلى.
من ينجح في هذا الانضباط لا يتعلم فقط الصبر، بل يختبر الحرية الحقيقية : حرية اختيار الخير، حرية العبودية الواعية، وحرية قلب متصل بالله.
زادكم الله من نعيمه ، وتقبل منكم الصوم وسائر اعمال الخير
حزب المحافظين الاردني
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه