رمضان والأسعار: هل غابت الروح في سباق المادة؟
19-02-2026 08:34 PM
بقلم: م.خالد سليم أبو مزهر الخزاعلة
مع اقتراب شهر رمضان المبارك نراقب بأسف ذلك السباق العبثي الذي تنخرط فيه الأسعار وكأنها تأبى إلا أن تسبق الهلال صعوداً نحو السماء. هذه الظاهرة المتكررة لم تعد مجرد تذبذب سوق أو نتيجة حتمية لـ العرض والطلب بل أضحت سلوكاً استغلالياً فجاً يفرغ الشهر من جوهره الروحي ويحيله إلى ساحة للمزايدة المادية التي يدفع ثمنها البسطاء صاغرين.
من المفارقات الموجعة أننا كلما اقتربنا من شهر الزهد تسابقت الأسعار لتلامس عنان السماء وكأن الاستهلاك صار هو الغاية والجشع هو الطقس الافتتاحي. إنها ثقافة الاقتناص التي تحوّل مواسم الروح إلى أسواق للمزايدة. المادة بطبعها شرهة وحين تغيب الرقابة الأخلاقية قبل الرسمية تندفع الأسعار صعوداً لتخنق بهجة العائلات وتثقل كاهل رب الأسرة بضريبة لا مبرر لها سوى الاستقواء بالموسم.
إننا نؤمن أن الزمن لا بد أن يأخذ منا أكثر مما يعطينا كضريبة مادية فالمادة لا تستطيع أن تقاوم الزمن وحدها. لكن الروح تبقى خارج المعادلة الروح هي التي تترك آثارها على الزمن وتنقش فيه خيوطها. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أي أثر نتركه في هذا الشهر الفضيل؟ هل هو أثر التراحم والسكينة، أم أثر الجشع الذي يترك ندوباً في أرواح المحتاجين؟.
إن رمضان ليس موسم أرباح تجارية بل هو اختبار لرحمة الخلق ببعضهم. والعجز عن لجم الأسعار أمام قدسية الشهر هو فشل ذريع في فهم جوهر الصيام فالجوع الذي لا يُعلمنا الرأفة بالفقير هو مجرد إجهاد بدني لا طائل منه.
إلى التجار الذين يتحينون هذه الأيام لتعويض خسائر العام أو مضاعفة الأرباح تذكروا أن البركة لا تحلّ في كسبٍ بُني على استغلال الحاجة. وإلى الجهات الرقابية: إن دوركم لا يقتصر على ضبط المخالفات الفنية، بل في كبح جماح التغول المادي الذي يفسد السلم المجتمعي.
لنضبط بوصلة استهلاكنا ولنوقف هذا الصعود العبثي للأسعار. اتركوا للهلال وقار الصعود وللناس بهجة الصيام فالروحانية لا تُشترى بالمال والكرامة الإنسانية أغلى من كل الأرباح.