الضمان بين الأمانة والاستقلال .. كلمة متقاعد في زمن المراجعة
كابتن أسامة شقمان
20-02-2026 08:16 PM
كنت قد قررت أن أبتعد عن الكتابة خلال هذا الشهر الفضيل، وأن أترك مساحة للتأمل والهدوء بعيدًا عن النقاشات العامة. لكن شعوري بالمسؤولية غلب رغبتي في الصمت. فهناك قضايا لا يمكن تأجيلها، لأنها تمس كرامة الناس وأمانهم، والضمان الاجتماعي في مقدمة هذه القضايا. أكتب اليوم لا بدافع المعارضة ولا بدافع الجدل، بل من موقع المتقاعد الذي يرى أن الوقت حان لمصارحة هادئة ومسؤولة.
الضمان الاجتماعي ليس ملفًا إداريًا عاديًا، ولا مؤسسة مالية كبقية المؤسسات. هو حصيلة أعمارٍ كاملة، واقتطاعات شهرية تحمل في طياتها ثقة صامتة بأن الغد سيكون آمنًا. هذه الثقة هي رأس المال الحقيقي للضمان، وإذا تراجعت، فلن تعوضها أي تعديلات قانونية أو بيانات تطمين.
القضية ليست في نص قانون قديم أو جديد، وليست في مادة عُدلت أو شرط أُضيف. المسألة أعمق من ذلك. نحن أمام حاجة ملحّة لإعادة النظر في فلسفة إدارة الضمان بأكملها. هل يُدار كصندوق مستقل هدفه حماية أموال المشتركين وتنميتها وفق أسس مهنية بحتة؟ أم يُعامل كجزء من المنظومة المالية العامة يمكن اللجوء إليه كلما ضاقت الخيارات؟
إن استمرار اعتماد الدولة على أموال الضمان، حتى لو كان ذلك عبر أدوات قانونية وسندات رسمية، يخلق شعورًا عامًا بأن الصندوق أصبح ممولًا سهلًا بدل أن يكون كيانًا استثماريًا مستقلاً. المشكلة ليست فقط في العائد أو في الفائدة، بل في مبدأ الاعتماد نفسه. الضمان يجب أن يكون جهة تستثمر بحسابات طويلة الأمد، لا مصدر تمويل يُستدعى عند الحاجة.
قبل التفكير في أي تشديد جديد على المشتركين أو تعديل في شروط الاستحقاق، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء وندرس كل مشروع استثماري لم يحقق أهدافه، وكل قرار لم يُثمر كما كان متوقعًا. التقييم الصريح ليس تشكيكًا، بل شرط للإصلاح. يجب أن نعرف أين أخطأنا، وأين أحسنا، وكيف نتجنب تكرار الأخطاء. المؤسسات القوية لا تخشى المراجعة، بل تتقوى بها.
إعادة الربحية للضمان لا تتحقق عبر تحميل المتقاعد مزيدًا من القيود، ولا عبر تضييق المنافع باسم الاستدامة فقط. الربحية الحقيقية تأتي من إدارة احترافية، وتنويع الاستثمارات، وتقليل المخاطر المركزة، وخلق فرص إنتاجية مدروسة تعود بالنفع المستدام. الاستقلال الاستثماري هو الطريق إلى الاستقرار، لا التعديلات الجزئية المتلاحقة.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة. إعادة الهيكلة لا تعني إجراءات شكلية أو تخفيضات سريعة، بل تعني إعادة تنظيم طريقة اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية، وتحديد المسؤوليات بوضوح. يجب أن يكون الضمان مستقلاً فعليًا عن أي تأثير تنفيذي مباشر، وأن تُبنى حوكمته على أساس مهني يوازن بين الرقابة والاستقلال.
كما أن الكفاءة الإدارية جزء أساسي من الإصلاح. المواطن يريد مؤسسة سريعة، واضحة، قادرة على إنجاز معاملاته دون تعقيد. كل دينار يُصرف إداريًا يجب أن يكون مبررًا بقيمة مضافة حقيقية. الشفافية في التكاليف، وفي الرواتب العليا، وفي آليات العمل، تعزز الثقة وتعيد الاطمئنان.
أما العدالة الاجتماعية داخل النظام، فهي جوهر الفكرة. من غير المقبول أن يعيش بعض المتقاعدين في ضيق شديد بينما تُصرف رواتب مرتفعة دون سقف منطقي. يمكن التفكير في وضع حد أعلى معقول للرواتب التقاعدية وحد أدنى يضمن حياة كريمة، لكن ذلك يجب أن يتم بعد دراسة دقيقة توازن بين الحقوق المكتسبة وروح التضامن.
وجهة نظري لا تدعو إلى صدام، بل إلى تصحيح مسار. لا أدعو إلى تغيير قانون فقط، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والضمان. الدولة يجب أن تكون الحامي للنظام، لا المستفيد منه. والضمان يجب أن يكون كيانًا مهنيًا مستقلًا، يعمل وفق رؤية استثمارية واضحة، ويخضع لرقابة شفافة دون تدخل في قراراته اليومية.
المتقاعد لا يطلب امتيازًا خاصًا، بل يريد وضوحًا في الأرقام، وخطة معلنة للمستقبل، واستقرارًا في الحقوق. يريد أن يعرف أن أمواله تُدار بحكمة، وأن المؤسسة التي ائتمنها على تعبه لن تتحول إلى أداة ظرفية في معادلات مالية آنية.
قد يرى البعض أن هذه الرؤية مثالية، لكنها في الحقيقة واقعية إذا توفرت الإرادة. الضمان الاجتماعي ليس ملك جيل واحد، بل أمانة متوارثة بين الأجيال. وإذا كان هذا الشهر شهر مراجعة وتزكية، فليكن أيضًا شهر إعادة نظر جادة في كيفية حماية هذه الأمانة.
أكتب هذه الكلمات بإيمان أن الإصلاح ممكن، وأن الثقة يمكن استعادتها، وأن الضمان قادر على أن يكون نموذجًا للاستقلال والربحية والعدالة إذا ما أُعيد بناؤه على أساس صحيح. فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بمدى قدرتها على صون حقوق مواطنيها.