facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قراءة قانونية نقدية بمشروع تعديل قانون الضمان


د. المحامي يزن عناب
20-02-2026 11:23 PM

بعيداً عن المجاملات المعتادة في تحليل القوانين، أجد نفسي أمام مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي بقلق حقيقي، ليس فقط بصفتي محامياً، بل كمراقب لتأثير التشريعات على الاقتصاد والمجتمع. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد قانون إداري يمكن تعديله تحت شعار "ترشيد الإنفاق" أو "رفع الكفاءة"، بل هو منظومة تدير مدخرات سنوات طويلة من العمل، وتبني عليها توقعات الناس لمستقبلهم.

الإصلاح بحد ذاته أمر طبيعي وضروري، لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي تُطرح بها التعديلات. فالمقاربة تبدو مالية بحتة: كيف نقلل الالتزامات؟ كيف نخفف العبء المستقبلي؟ هذه أسئلة مشروعة، لكن السؤال الأهم الذي يغيب هو: كيف نحافظ على الثقة؟ لأن أي نظام تأميني يقوم أساساً على ثقة الناس بأن القواعد لن تتغير فجأة.

حين يُعاد النظر في شروط التقاعد المبكر أو في آليات احتساب الرواتب التقاعدية، نحن لا نتعامل مع أرقام جامدة، بل مع أشخاص خططوا حياتهم على أساس نصوص قانونية مستقرة. بعضهم قبل برواتب أقل لأنه كان مطمئناً لوجود مظلة تأمينية، وبعضهم حدد موعد خروجه من سوق العمل بناءً على معادلات واضحة. تغيير هذه المعادلات بعد سنوات من الاشتراك يثير إشكاليات قانونية حول مبدأ الاستقرار التشريعي والثقة المشروعة. فالقانون ليس مجرد أداة تنظيم، بل هو وعد ضمني من الدولة بعدم قلب الطاولة فجأة.

من الناحية المالية، تُطرح "الاستدامة" كمبرر أساسي. لكن الاستدامة لا تتحقق فقط عبر تقليص المنافع، بل أيضاً عبر تحسين إدارة الاستثمارات، تنويع المحافظ، ورفع مستوى الشفافية. أموال الضمان ليست موارد حكومية عامة، بل هي ملك لمشتركين محددين. وإذا كانت هناك تحديات اكتوارية، فمن غير العادل أن يكون الحل الأول هو تقليص حقوقهم قبل مراجعة أداء الإدارة والاستثمار.

الأثر الاقتصادي للتعديلات لا يقل أهمية. فدخل المتقاعدين ليس مجرد تحويل مالي، بل عنصر استقرار في السوق المحلي. المتقاعد الذي يتقاضى راتباً ثابتاً ينفق في السوق، يدعم الخدمات، ويُبقي الدورة الاقتصادية نشطة. تقليص المنافع قد يخفف الضغط على الصندوق نظرياً، لكنه قد يخلق أثراً انكماشياً في اقتصاد يعاني أصلاً من تباطؤ.

أما البعد الإنساني، فهو غالباً ما يُغفل خلف الأرقام. الضمان الاجتماعي ليس معادلة اكتوارية فقط، بل هو إحساس بالأمان. هو قناعة العامل بأن سنوات الاقتطاع من دخله ستترجم إلى حماية حقيقية عند الشيخوخة أو العجز. اهتزاز هذه القناعة، حتى جزئياً، يضع النظام كله في منطقة رمادية خطرة، لأن أي نظام تأميني يقوم على الثقة الجماعية.

الإصلاح مطلوب بلا شك، لكن الإصلاح الذي يُبنى على تقليص المنافع دون حوار وطني واسع، ودون شفافية في عرض الدراسات، ودون مرحلة انتقالية عادلة تحمي المراكز القانونية المستقرة، هو إصلاح ناقص. الإصلاح الحقيقي يبدأ بتحسين الإدارة، تعزيز الحوكمة، وتوسيع قاعدة المشتركين، لا بإعادة تعريف الحقوق بشكل مفاجئ.

في النهاية، قوة أي اقتصاد لا تُقاس فقط بالنمو أو الاحتياطيات، بل بمدى شعور مواطنيه بالأمان تجاه مستقبلهم. والضمان الاجتماعي، في جوهره، وعد بهذا الأمان. وأي تعديل يجب أن يُقاس بقدرته على حماية هذا الوعد، لا بقدرته على ترك الناس في حالة ترقب دائم لما قد يتغير لاحقاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :