facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تضيع الأولويات… وتزدهر الخُطابات


د. حسين سالم السرحان
21-02-2026 10:22 AM

في كل مرحلة ضاغطة من تاريخ الدول، يُفترض أن تنحاز النخب إلى نبض الناس لا إلى صدى ترف أفكارها.

في الأردن اليوم، وبينما يرزح المواطن تحت أعباء اقتصادية واجتماعية متراكمة، تتزاحم بعض النخب السياسية والثقافية في سباق محموم لطرح قضايا كبرى من قبيل السردية والهوية وإعادة تعريف الذات الوطنية، وكأن المجتمع يقف على حافة فراغ فكري لا على حافة ضيق معيشي خانق.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا الآن؟

ليست قضايا الهوية والسردية ترفاً في ذاتها، ولا هي بلا قيمة في سياق بناء الدول، لكن تحويلها إلى أولوية خطابية في لحظة يفتش فيها المواطن عن فرصة عمل لابنه، أو مقعد جامعي آمن لابنته، أو سرير علاج لا يحتاج إلى واسطة، يجعلها أقرب إلى ترف فكري منها إلى ضرورة وطنية.

ما جدوى النقاشات المدوية حول تعريف الذات الوطنية، فيما الذات الاجتماعية منهكة؟ وما معنى الانشغال بإعادة كتابة الحكاية الكبرى، فيما الحكايات اليومية للناس مليئة بالقلق والعجز والانتظار والحيف واختلالات العدالة؟

الخطاب النخبوي، حين ينفصل عن الواقع، يتحول إلى دائرة مغلقة؛ يتغذى من ذاته ويعيد إنتاج أسئلته الخاصة، غير آبه بترتيب الأولويات في الشارع. وحين تُطرح القضايا الكبرى بلا تمهيد اقتصادي واجتماعي، فإنها تبدو وكأنها محاولة للقفز فوق الأساس الصلب الذي لا غنى عنه: كرامة العيش، وعدالة الفرص، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء. فلا يمكن بناء وعي وطني متماسك تجاه الهوية وسردياتها فوق أرضية يشعر فيها الناس بأن مستقبل أبنائهم مرهون بالصدفة أو بالمحسوبية.

لماذا الآن؟ لماذا في لحظة تتعاظم فيها تحديات العمل والتعليم والصحة، ويشعر كثيرون بأنهم عالقون في سباق لا يملكون أدواته؟ أليس الأجدر أن تتجه الطاقات الفكرية والسياسية نحو معالجة الاختلالات التي تمس حياة الناس مباشرة؟ أن يكون النقاش حول كيفية خلق فرص العمل قبل إعادة تعريف المفاهيم؟ وأن تُستعاد الثقة بالمؤسسات عبر العدالة والشفافية قبل الخوض في تجريدات نظرية لا تُطعم خبزاً ولا تداوي ألماً؟

النخبة التي لا تسمع أنين الواقع تخاطر بفقدان شرعيتها المعنوية. فالفكر الحقيقي ليس ما يعلو فوق المجتمع، بل ما ينحاز إلى أولوياته، ويعيد ترتيب جدول أعماله بما ينسجم مع حاجاته الملحّة.

وبعد أن تستقر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويطمئن الأردني إلى تعليم أولاده، وفرص عملهم، وعلاجهم دون حاجة إلى تدخل متنفذين، يمكن للنقاشات الكبرى أن تجد أرضاً خصبة ووعياً مستعداً.

أما اليوم، فالمطلوب ليس المزيد من الضجيج، بل شجاعة إعادة ترتيب الأولويات؛ وليس الهروب إلى الأسئلة المجرّدة، بل مواجهة الأسئلة الصعبة التي يطرحها الواقع كل صباح. فبغير ذلك، سيبقى الخطاب عالياً… وتبقى الأولويات ضائعة.

حمى الله الأردن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :