حين يصير العَرَجُ معيارا للسباق .. وحين تكتب المصائر بأحبار سرية
د.سالم الدهام
21-02-2026 11:41 AM
الإصلاح بمعناه الشامل عنوان عريض مطروح على جدول أولويات الحكومات المتعاقبة بتوجيه مباشر من لدن جلالة الملك المعظم عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين حفظهما الله ورعاهما، وبمتابعة حثيثة من الحكومات المتعاقبة بما فيها هذه الحكومة الموقرة التي لا تألو جهدا في إعداد الخطط الاستراتيجية والبرامج التنفيذية لوضع شعار الإصلاح ومحاربة الفساد موضع التنفيذ، وهي في سبيل هذه الغاية النبيلة تجترح العديد من أدوات الرقابة وبرامجها متعددة الطبقات، سواء أكانت تلك الأدوات والبرامج من داخل المؤسسات أو من خلال أجهزة رقابية ومحاسبية تعمل وفق تشريعات تمنحها استقلالا ماليا وإداريا عن تلك المؤسسات، وتخولها صلاحيات تنفيذية واسعة تجعلها من الناحية النظرية قادرة على النفاذ خلف الأبواب الموصدة، ومعاينة المناطق المعتمة الرطبة، وتحسّس المفاصل الهشة، وجس الخواصر الرخوة؛ لوضع المبضع على الأورام والثآليل التي تفتك بجسد الدولة وتشل حركة المجتمع لاجتثاثها، من أجل أن تتعافى الدولة ومؤسساتها من أمراضها، وتشفى من أدوائها المزمنة، علَّها تمضي في مدارج التقدم والنماء.
ذلك ما تزمجر به حناجر المتحمسين من التنفيذيين، وقادة الإصلاح وأدعياء محاربة الفساد الذين نشروا بضاعتهم فوق المنابر ، وأسالوا مدادهم على القراطيس، ووعدوا الناس بالفراديس، قدموا أفكارا ملهمة، وخطوا سطورا معجزة، تقرأها من اليمين إلى اليسار عدلا فإذا ما أعدت قراءتها من اليسار إلى اليمين صارت ظلما وجورا، تتهجاها من أعلى إلى أسفل فإذا هي شفافة ترى أحشاءها من تحت جلدها، فإذا ما صعدتها من تحت لفوق استغلقت عليك مفاتيحها وصارت لغزا محكما... القراطيس كلها باتت (موجهنة) على الوجه الأول الذي يتداوله السواد الأعظم من الناس يقرأون شيئا من أحلامهم ورؤاهم وتطلعاتهم، وثمة نص على الوجه الآخر... ثمة نص آخر، مكتوب بالحبر السري لا يقرأه إلا المقربون "أن أغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين...أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين" وخلف النص صورة لديناصورات عملاقة ترتب بين أسنانها كائنات بشرية موثقة بالسلاسل والأغلال استعدادا لالتهامها.
طوال عمرنا نقرأ في مدونة الوجه الأول للعملة... حكايا ومرايا من شغف المتعبين في القرايا، ونتسرّى بها، بالرغم من أننا نعلم أن النص الحقيقي يكتب دائما بالحبر السري... حكايا السرايا والصور المائية المروعة على الوجه الآخر للعملة تختلف تماما عما هو مدون بالحبر الأسود على الوجوه التي ألفناها، ومع ذلك نتعامى عنها... شتان ما بين "حكي السرايا وحكي القرايا" ... بالحبر الأسود نقرا نظام الخدمة المدنية وسلم الرواتب، وبالحبر السري تقرأ نظام الهيئات المستقلة، بالحبر الأسود نرى الفرد محور العملية الديمقراطية وغايتها، وبالحبر السري يتلاشى وزن الفرد مهما جد واجتهد لصالح ظهر صلب نافذ من المورثين وسلاسل الموردين المعتمدة، والتزكيات العميقة من ... ثمة جهات تختزل المشهد، تلغي الخطط وتدمر مشاريع بناء الثقة البينية، وتفعل برامج وفيروسات من شأنها تعطيل النواقل العصبية للحياة، وتتلف كل شيء دون أدنى إحساس بالمسؤولية... أتساءل ما قيمة الإصلاح إن كان مجرد شعارات مكتوبة بحبر أسود لا يوصل للعدالة والمساواة ولا يزرع الثقة والأمل بين الجموع التي لا يخفى مرادها على ذي عينين ولسان وشفتين، وأتساءل : هل يصح أن نضمر الخيول، ونمهد الميادين، ونحشد الجماهير، وتزغرد النساء ويلعلع البارود، ويعلو الحداء استعدادا للسباق، وفي لحظة قهر تستبعد جوامح الخيل ويصير "العَرَجُ " عنوان السباق، فتغص الميادين بكل " عرجاء وضالع" بحجة أن امتطاء ظهور الخيول "العُرْج" من أسرار الأمن المكتوبة بالحبر السري، فهي آمنة بالرغم من تخلفها عن مجاراة الركب، عندئذ يصبح معيار المفاضلة كلما كانت الخيول أكثر عرجا كانت أكثر أمنا، لا سيما إذا لم يكن للسباق وجهة أو هدف.
وفي الختام إنني على يقين أن معيار "العرج " الذي يحاول منظمو السباقات، ومقاولوها تكريسه في حياتنا السياسية والاجتماعية، عبر مناولين مختصين باعتباره معيارا للتنافس في رياضات الهجن والخيول لن يستمر؛ لأننا في بلد يقوده (راع الهدلى) جلالة الملك المفدى عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، والهدلى لمن لا يعرفها هي ناقة من كرام الإبل ( السبَّق)للشريف عون بن محسن جد الأشراف الهاشميين الذي ينتهي نسبه برسولنا الكريم صلوات الله عليه.