facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




البحث العلمي في الصحة العامة والصحة الواحدة


د. طارق مقطش
14-02-2026 12:52 PM

* استثمار أردني يعزّز التحديث الاقتصادي ويصنع القرار المبني على الدليل

حين ننظر إلى الصحة في معناها الواسع، ندرك سريعًا أنها ليست ملفًا علاجيًا فحسب، بل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار والتنمية. فالمجتمعات الأكثر قدرة على حماية صحتها هي ذاتها الأكثر قدرة على الحفاظ على الإنتاجية، وضمان استمرارية الخدمات، وتقليل الكلف غير المباشرة التي قد تنعكس على الأسرة والسوق والقطاع العام. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في البحث العلمي في مجالي الصحة العامة والصحة الواحدة ضرورة استراتيجية في الأردن، لأنه يرسخ منهجًا واضحًا لصنع السياسات والبرامج على أساس الدليل، ويضمن أن القرارات الصحية تتقدم بخطى ثابتة نحو أفضل أثر ممكن.

البحث العلمي في الصحة العامة لا يقتصر على إنتاج المعرفة، بل يترجمها إلى أدوات عملية تساعد على قراءة الواقع بدقة وتحديد الأولويات وتقييم التدخلات. وعندما تكون السياسات مبنية على بيانات وتحليل علمي وتقييم مستمر للأثر، يصبح توجيه الموارد أكثر كفاءة، وتزداد القدرة على اختيار البرامج ذات المردود الأعلى، وتتوسع المساحة المشتركة بين التخطيط الصحي والتخطيط التنموي. هنا تتجلى قيمة “الممارسات المبنية على الدليل” بوصفها نهجًا مؤسسيًا يعزز جودة القرار ويقوي الثقة العامة، عبر برامج تُقاس نتائجها وتُحسّن باستمرار وتستجيب للاحتياج الحقيقي على الأرض.

أما الصحة الواحدة، فهي الإطار الذي يربط صحة الإنسان بصحة الحيوان وسلامة الغذاء والمياه والبيئة، ويعكس حقيقة أن كثيرًا من التهديدات الصحية تتشكل عبر مسارات متداخلة لا يمكن التعامل معها بمنطق قطاع واحد. الاستثمار البحثي في هذا النهج يمنحنا قدرة أوسع على الفهم المبكر لطبيعة المخاطر، وعلى دعم الاستعداد والوقاية والاستجابة بكفاءة، من خلال تكامل المعلومات والخبرات وتنسيق الجهود عبر الجهات ذات العلاقة. وعندما تتعزز هذه المنظومة بالبحث العلمي، تصبح القدرة على التوقع والتحليل واتخاذ القرار أسرع وأكثر دقة، بما ينعكس إيجابًا على حماية المجتمع واستدامة الخدمات.

ومن التجارب الدولية الناجحة، يتضح أن البحث المؤثر يتطلب شراكة مؤسسية منظمة بين الجهات الصحية والجامعات والمراكز البحثية. فالمؤسسات الصحية تمتلك الاحتياج التشغيلي والأسئلة الملحّة والبيانات الميدانية، فيما تمتلك الجامعات والمراكز البحثية الخبرات المنهجية والتحليلية لتوليد الأدلة وتقييم البرامج وتطوير الحلول. وعندما تتحول هذه العلاقة إلى شراكة قائمة على قواعد واضحة لتبادل البيانات وحوكمة المشاريع وتحديد الأولويات، يصبح بالإمكان إنتاج بحوث تطبيقية قابلة للترجمة إلى سياسات وإجراءات، وتطوير نماذج تدخل تتناسب مع السياق الوطني وتحقق أثرًا ملموسًا.

ولضمان توجيه هذا الجهد بما يحقق أعلى قيمة مضافة، تبرز الحاجة إلى مصفوفة أولويات وطنية للبحث في الصحة العامة والصحة الواحدة، تُبنى على معايير موضوعية مثل عبء المرض، والكلفة الاقتصادية والاجتماعية، وفرص الوقاية، ومدى ارتباط الموضوع بالأمن الصحي والغذائي، وقابلية تحويل النتائج إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس. وجود هذه المصفوفة لا ينظم العمل البحثي فحسب، بل يعزز التراكم المعرفي ويزيد من اتساق الجهود، ويوفر مرجعية مشتركة لصانع القرار والباحث والجهات الداعمة، بما ينسجم مع روح التخطيط الاستراتيجي ومرتكزات التطوير المؤسسي.

ويبقى صوت المواطن عنصرًا مهمًا في بناء السياسات المبنية على الدليل. فالتغذية الراجعة من المواطنين، إذا جرى تنظيمها ضمن قنوات واضحة وسهلة، ترفد منظومة البحث بمؤشرات عملية حول تجربة الخدمة والاحتياجات والأولويات، وتدعم تحسين التواصل وتصميم البرامج وتطوير الأداء. وعندما يُنظر إلى هذه التغذية الراجعة باعتبارها جزءًا من “دليل القرار”، فإنها تتحول إلى قيمة مضافة تعزز القرب من المجتمع وتدعم الثقة وتساعد على تحسين الأثر بطريقة مستمرة.

إن الربط بين الاستثمار البحثي ورؤية التحديث الاقتصادي ليس ربطًا نظريًا؛ فاقتصاد أكثر إنتاجية وخدمات أكثر جودة وقطاع عام أكثر كفاءة يستند بالضرورة إلى قرارات مدعومة بالبيانات ومؤشرات الأداء، وإلى منظومة صحية قادرة على الوقاية والاستباق وتقليل الكلف. كما أن دعم البحث العلمي يفتح المجال لتعزيز اقتصاد المعرفة عبر مسارات نوعية في تحليل البيانات الصحية، والوبائيات التطبيقية، والصحة الرقمية، والتقنيات الحيوية، وتقييم السياسات، وهي مجالات تسهم في رفع التنافسية وتحفيز الشراكات والاستثمار في الابتكار.

وباعتبار أن تعزيز البحث العلمي في الصحة العامة والصحة الواحدة يشكّل ركيزة محورية للوقاية والاستقرار والكفاءة، فإن الاستثمار في هذا المسار يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في بناء قرارات أكثر دقة وشفافية وقدرة على تحقيق أثر ملموس. كما يُعد خيارًا وطنيًا يدعم جاهزية المنظومة الصحية، ويساند مسار التحديث، ويحوّل المعرفة إلى نتائج يلمسها المواطن في جودة الخدمة واتساق الرسالة واستدامة الحلول.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :