ما بين التصريحات والاستطلاعات والتعليقات
معتز عبدالقادر عساف
14-02-2026 02:10 PM
في كل مرة يخرج فيها مسؤول ليتحدث عن الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإداري، تأتي التصريحات غالبًا بلغة مطمئنة، إيجابية، وأحيانًا متفائلة إلى حدٍّ يجعل المستمع يعتقد أن الأمور تسير في أفضل مساراتها. النمو مستمر، الإصلاحات تمضي قدمًا، المؤشرات تتحسن، والخطط الاستراتيجية تحقق أهدافها.
وتأتي نتائج استطلاعات الرأي، في كثير من الأحيان، متسقة أو شبه متسقة مع هذه السردية الرسمية. نسب رضا معقولة، تفاؤل بالمستقبل، دعم للسياسات العامة، وتقييم إيجابي للأداء.
لكن المشهد يتبدل تمامًا عندما ننتقل إلى مساحة أخرى: مساحة التعليقات.
تعليقات المواطنين على هذه التصريحات ونتائج تلك الاستطلاعات تكشف عالمًا مختلفًا. عالمًا مليئًا بالقلق، والشك، والسخرية أحيانًا، والغضب أحيانًا أخرى. هناك فجوة واضحة، بل واسعة جدًا، بين ما يُقال رسميًا وما يُعبَّر عنه شعبيًا. فجوة يصعب تجاهلها أو التقليل من شأنها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: أين الحقيقة؟ ولماذا هذا التباين الكبير؟
هل نحن أمام أزمة ثقة؟
قد يكون الأمر كذلك. فعندما تتكرر التصريحات الإيجابية في ظل ضغوط معيشية يومية يشعر بها المواطن في دخله، وفرص عمله، وخدماته، فإن المشكلة لا تكون في اللغة وحدها، بل في الإدراك المشترك للواقع. فالثقة لا تُبنى بالبيانات وحدها، ولا بالاستطلاعات، بل بتجربة الناس اليومية. فإذا كانت تجربتهم مختلفة عن الخطاب المعلن، فإنهم سيصدقون تجربتهم لا الأرقام. فالناس لا تعيش في جداول إحصائية، بل في تفاصيل يومية: أسعار، أقساط، فواتير، مواعيد، خدمات. وإذا تناقضت هذه التفاصيل مع الرواية الرسمية، فإن الهوة تتسع.
أم أنها فجوة توقعات؟
ربما نحن أمام فجوة بين من يصنع السياسات ومن يعيش آثارها. المسؤول ينظر إلى المؤشرات الكلية: نسب نمو، عجز موازنة، مشاريع استراتيجية، تدفقات استثمارية. أما المواطن فينظر إلى مؤشرات مختلفة تمامًا: راتبي، قدرتي الشرائية، تعليم أولادي، تكلفة العلاج، فرص العمل، جودة الخدمات. الأول يتحدث بلغة الاقتصاد الكلي، والثاني يعيش واقع الاقتصاد الجزئي. وما بين اللغتين تضيع المسافة.
قد تكون المؤشرات الكلية إيجابية فعلًا، لكن أثرها لم يصل بعد إلى الحياة اليومية للمواطن. وفي هذه المسافة الزمنية، بين التحسن الكلي والشعور الفردي، تتشكل فجوة الإدراك.
أم أن هناك مشكلة في أدوات القياس؟
الاستطلاعات، مهما بلغت مهنيتها، تبقى أدوات. والأدوات تتأثر بطريقة طرح السؤال، بعينة المستجيبين، بسياق اللحظة، وبمناخ الثقة العام. إذا لم يشعر المواطن بالأمان الكافي ليعبّر بصراحة، أو لم يثق بأن رأيه سيؤثر فعلًا، فقد يعطي إجابة لا تعكس مشاعره الحقيقية. وقد يختار الإجابة الأقرب إلى المقبول اجتماعيًا أو سياسيًا بدلًا من الأقرب إلى قناعته.
إذن نحن أمام احتمال أزمة ثقة، أو فجوة توقعات، أو إشكاليات قياس، وعلى الأغلب مزيج من كل ذلك.
لكن السؤال الأهم يبقى: كيف نردم هذه الفجوة؟
في مقال سابق، تحدثت عن مفهوم "الحساب العاطفي" الذي طرحه عالم الإدارة Stephen Covey. يرتكز المفهوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: كل علاقة تقوم على رصيد. هناك إيداعات، وهناك سحوبات.
كل موقف صادق، كل التزام يُنفّذ، كل شفافية تُمارس هو إيداع.
وكل وعد لا يتحقق، كل غموض، كل تجاهل هو سحب من الرصيد.
العلاقة بين الحكومة والمواطن ليست استثناءً من هذه القاعدة. إذا كان الرصيد مرتفعًا، تُستقبل التصريحات بحسن نية. وإذا كان منخفضًا، تُقابل بالشك مهما كانت إيجابية. المشكلة إذن قد لا تكون في التصريح ذاته، بل في مستوى الرصيد المتراكم قبله.
كيف نضيف إلى الرصيد؟
1. فهم الديموغرافيا الفكرية للمجتمع. نحن أمام مجتمع شاب، متعلم، واعٍ، سريع التفاعل، قادر على التمييز بين الخطاب والواقع. له توقعات وطموحات، ويتفاعل لحظيًا مع كل معلومة عبر الفضاء الرقمي.
إدارة هذا المجتمع بعقلية تقليدية تستهلك الرصيد بسرعة. أما مخاطبته بشفافية وعقلية تشاركية فتزيد الرصيد.
2. الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة. كما يُسعد الطفل بابتسامة، يسعد المواطن بتفاصيل تمس حياته اليومية. مصداقية الفواتير، وضوح الإجراءات، سرعة المعاملات، صدق التصريحات. التفاصيل الصغيرة ليست أمورًا هامشية؛ إنها إيداعات يومية في حساب الثقة.
3. الالتزام بالوعود وإدارة التوقعات. الوعود الكبيرة التي لا تتحقق تُعد سحبًا مباشرًا من الرصيد.
إدارة التوقعات بواقعية، والوفاء بما يُعلن، أهم بكثير من تضخيم الآمال. التواضع في الوعد، والصرامة في التنفيذ، استراتيجية أكثر استدامة من التفاؤل غير المنضبط.
4. الشفافية والوضوح. حتى الأخبار الصعبة، إذا قُدمت بصدق ووضوح، تُضيف إلى الرصيد. الغموض يستهلكه، أما المكاشفة فتبنيه.
5. النزاهة ومحاربة الفساد. الحديث عن النزاهة لا يكفي. خطوات حقيقية، واضحة، في قضايا كبيرة ومفصلية، مع محاسبة شفافة، كفيلة برفع الرصيد بشكل ملموس. الناس لا تطلب الكمال، لكنها تطلب العدالة.
6. الاعتذار الصادق عند الخطأ. الأخطاء تسحب من الرصيد فورًا. لكن الاعتراف بها يعوض جزءًا كبيرًا منه.
الاعتذار يتطلب شجاعة، والأقوياء فقط من يملكون هذه الشجاعة. في كثير من الأحيان، الاعتذار الصريح أقوى من مئة تبرير.
في النهاية، ما بين التصريحات والاستطلاعات والتعليقات تقف الثقة. والثقة ليست قرارًا يُعلَن، بل رصيد يُبنى.
إذا أردنا أن تتقارب السرديات، فلا بد من إيداعات حقيقية ومتراكمة في هذا الحساب. فعندما يرتفع الرصيد، تُفسَّر التصريحات بحسن نية. وحين ينخفض، يُفسَّر حتى الإنجاز بريبة.
المسألة ليست في عدد التصريحات، بل في حجم الرصيد الذي يسبقها.