التدين الزائف، وثنائية الدنيا والدين!
د. جهاد يونس القديمات
14-02-2026 03:05 PM
التدين الزائف ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون انحرافا فرديا، وهو نتاج تداخل معقد بين ضغوط الواقع، وضعف التربية القيمية، وهيمنة الثقافة الشكلية التي تقيس التدين بما يرى، لا بما يمارس ويلتزم به، في هذا السياق يتحول الدين من منظومة تهذيب وضبط أخلاقي إلى هوية اجتماعية أو أداة تبرير، ويغدو التدين وسيلة للانتماء أو الحماية الرمزية أكثر منه التزاما شاملا يطال السلوك اليومي.
في حياة الناس، يتجلى هذا النهج من التدين في التناقض الواضح بين الخطاب والممارسة، نرى من يكثر من الحديث عن الفضيلة، لكنه لا يتردد في تجاوزها عند أول اختبار عملي، فموظف يتحدث عن الأمانة بينما يتغاضى عن التقصير ما دام لا يحاسب، وتاجر يحرص على إظهار الالتزام الديني لكنه يبرر الغش والاحتكار بمنطق الظروف، هنا لا يغيب الدين، بل يستدعى بصورة انتقائية، يستخدم حين يخدم المصلحة ويعطل حين يقيدها.
هذا النمط من التدين يتغذى على فهم مجتزأ يركز على العبادات الشكلية ويغفل مقاصدها، وتتحول الصلاة إلى أداء روتيني، والصوم إلى امتناع جسدي، والحج إلى رمز اجتماعي، بينما تغيب القيم التي يفترض أن تثمر عنها هذه العبادات؛ كالصدق، والعدل، وضبط النفس، واحترام حقوق الآخرين، ومع الزمن، يعتاد المجتمع هذا الفصل، فيغدو طبيعيا أن يجتمع التدين الظاهر مع سلوكيات تناقض جوهره.
أما ثنائية الدنيا والدين، فهي الإطار الفكري الذي يمنح هذا الانفصام شرعيته، حين اقنع الناس أنفسهم بأن للدين مجالا محدودا، وللدنيا منطقا آخر لا تحكمه القيم، يصبح التناقض مقبولا بل مبررا، ففي العمل يقال إن الأخلاق ترف، وفي السياسة يقال إن القيم لا مكان لها، وفي الاقتصاد يقال إن السوق لا يعرف إلا الربح، بهذه الصياغات البسيطة تفرغ أكثر مجالات الحياة تأثيرا من أي ضابط أخلاقي، وعاد الدين إلى الهامش بوصفه شأنا شخصيا لا علاقة له بإدارة الواقع.
في العلاقات الاجتماعية، تظهر هذه الثنائية بوضوح أكثر خفاء، يكثر الناس من الحديث عن التسامح وصلة الرحم، لكن القطيعة تقع عند أول خلاف مادي، ترفع شعارات الصبر والرضا، لكن الغضب والقسوة يبرران بضغط الحياة، وفي هذه الحالات تستخدم المفاهيم الدينية لتفسير السلوك بعد وقوعه، لا لتقويمه قبل حدوثه، وتتحول القيم إلى خطاب موجه للآخرين لا معيارا لمحاسبة الذات.
التدين الزائف لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي ككل، فحين يرى الناس أن الخطاب الديني لا ينعكس في السلوك العام، تتآكل الثقة، ويصبح الشك هو القاعدة، والأخطر أن هذا الواقع يدفع بعض الشباب إلى النفور من الدين ذاته، لا لخلل فيه، بل لما رأوه من ازدواجية ونفاق باسم الدين، وهكذا تتحول الظاهرة من مشكلة أخلاقية إلى أزمة ثقة عميقة.
في المنظمات مثلا، يتجلى هذا الخلل في ازدواجية المعايير، ترفع شعارات النزاهة، بينما تمارس المحسوبية، تعلن القيم في الوثائق الرسمية، لكن القرارات تبنى على المصالح والولاءات، يطالب الموظف بالالتزام، بينما ستثنى أصحاب النفوذ، ومع تكرار هذا المشهد، تترسخ قناعة عامة بأن القيم لا تصلح لإدارة الدنيا، وأن النجاح مرهون بالتنازل الأخلاقي، فيتحول الفساد إلى سلوك عقلاني في نظر كثيرين.
المفارقة أن هذا الفصل بين الدنيا والدين يتناقض مع جوهر الفهم الديني العميق، الذي يرى أن القيم ليست عبئا على الحياة، بل شرطا لاستقامتها، غير أن الثقافة السائدة غالبا ما تصور الأخلاق كعائق، والالتزام كضعف، والبراغماتية كذكاء، ففي هذا المناخ يجد التدين الزائف بيئة مثالية، لأنه يقدم حلا مريحا، مظهر ديني يحفظ الصورة العامة، وممارسة دنيوية منفلتة تحفظ المصالح.
التحدي الأكبر يكمن في تطبيع هذا التناقض، فحين يتعايش المجتمع مع الازدواجية دون مساءلة، يفقد قدرته على الإصلاح، وحين يختزل الدين في طقوس، تفرغ القيم من مضمونها، وتتحول الأخلاق إلى شعارات بلا أثر عملي، عندها لا يعود السؤال لماذا نكذب أو نظلم، بل لماذا نلتزم أصلا؟.
الحل لا يكمن في مزيد من الوعظ الخطابي، ولا في التشدد الشكلي، بل في إعادة وصل ما انقطع بين الدين والحياة، يبدأ ذلك بإعادة تعريف التدين بوصفه سلوكا قبل أن يكون مظهرا، ومسؤولية قبل أن يكون هوية، ويتطلب تربية قيمية تركز على المقاصد لا القشور، وعلى أثر العبادة في السلوك اليومي لا في الصورة الاجتماعية.
كما يستلزم الأمر نقل القيم الدينية من الهامش إلى صلب الممارسة العملية، في العمل والإدارة والعلاقات، بحيث تصبح معيارا للقرار لا زينة للخطاب، ويحتاج المجتمع إلى نماذج صادقة تجسد هذا التناغم، لأن القدوة العملية أبلغ من ألف خطاب، فعندها فقط يمكن تجاوز التدين الزائف، وبناء فهم للدين لا يعادي الدنيا ولا ينفصل عنها، بل يهذبها ويمنحها معناها الإنساني.
jehadhr@gmail.com