اقتصاد الزمن الضائع: الخسائر التي لا تظهر في الموازنات الأردنية
د. حمد الكساسبة
07-02-2026 05:30 PM
ينشغل النقاش الاقتصادي في الأردن عادةً بقضايا البطالة والنمو والدين العام، غير أن هناك خسائر اقتصادية كبيرة لا تحظى بالاهتمام الكافي لأنها لا تُقاس مباشرة في المؤشرات الرسمية، وفي مقدمتها الزمن الضائع. فالأردن لا يخسر فقط بسبب العاطلين عن العمل، بل يخسر أيضًا ملايين الساعات غير المنتجة داخل سوق العمل الأردني نفسه، وهي خسائر صامتة لكنها مستمرة ومكلفة.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن عدد العاملين في الأردن يقارب 2.6 مليون عامل. وإذا افترضنا، وبقدر كبير من التحفّظ، أن كل عامل يهدر ساعة واحدة فقط يوميًا بسبب إجراءات إدارية أو انتظار أو تكرار معاملات، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا. فمع متوسط إنتاج للعامل يُقدَّر بنحو 7 دنانير في الساعة، تعني هذه الساعة المهدورة خسارة تقارب 18.5 مليون دينار يوميًا للاقتصاد الأردني. وعلى مدار عام عمل كامل، تصل الخسارة إلى نحو 4.8 مليار دينار سنويًا، أي ما يقارب 9% من الناتج المحلي الإجمالي، دون أن يظهر هذا الرقم في الموازنات العامة أو يُناقش بوصفه كلفة اقتصادية مباشرة. وبمقارنة هذه النسبة بالدول النامية، فإن كلفة الزمن الضائع في الأردن تقع ضمن الشريحة العليا، رغم أن حجم الاقتصاد يسمح بخفضها بسرعة إذا جرى التعامل مع الوقت بوصفه موردًا اقتصاديًا لا تفصيلًا إداريًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يُعدّ الزمن عنصرًا أساسيًا من عناصر الإنتاج في الاقتصاد الأردني، لا يقل أهمية عن رأس المال أو العمل. فالدول التي نجحت في رفع إنتاجيتها لم تفعل ذلك فقط عبر خلق وظائف جديدة، بل من خلال تقليص الوقت اللازم لإنجاز العمل. وتشير دراسات دولية إلى أن تحسين كفاءة الإجراءات يمكن أن يرفع إنتاجية الاقتصادات متوسطة الدخل بنسبة تتراوح بين 1% و3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسب كفيلة بإحداث فرق ملموس في اقتصاد بحجم الاقتصاد الأردني.
ويرتبط الزمن الضائع مباشرة بمفهوم التنافسية الاقتصادية للأردن. فالتنافسية لا تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو استقراره المالي، بل بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى إنتاج فعلي بكفاءة. وعندما تطول الإجراءات، وتتعدد الموافقات، ويتأخر اتخاذ القرار، ينعكس ذلك ضعفًا في كفاءة المؤسسات وديناميكية الأعمال، حتى لو كانت القوانين جيدة من حيث النص. ويعكس ذلك ترتيب الأردن في المرتبة السابعة والأربعين عالميًا في مؤشر التنافسية لعام 2025، حيث يبقى التحدي الأساسي في سرعة التنفيذ لا في التشريعات.
وعند النظر إلى الواقع العملي في الأردن، تتضح المشكلة بشكل أكبر، إذ لا تعود إلى نقص الكفاءات أو ضعف الرغبة في العمل، بل إلى بيئة إجرائية تستهلك الوقت. فتعدد الجهات، وتداخل الصلاحيات، وبطء التحول الرقمي، إلى جانب ثقافة “الروتين المقبول”، كلها عوامل تحوّل الزمن إلى كلفة اقتصادية دائمة. ويظهر هذا الهدر في تفاصيل يومية بسيطة، مثل طول إجراءات تسجيل الشركات، أو تعدد الموافقات اللازمة للحصول على ترخيص واحد، أو تأخر إنجاز معاملات لا تتطلب في جوهرها سوى قرار إداري واحد.
ورغم أن الحكومة الأردنية أطلقت خلال السنوات الأخيرة مبادرات لتبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، إلا أن التعامل مع الزمن ما يزال في الغالب إداريًا أكثر منه اقتصاديًا. فكثيرًا ما تُنقل الخدمة من الشباك إلى الشاشة دون إعادة تصميم مسارها بالكامل، أو دون قياس زمن الإنجاز بوصفه كلفة تؤثر في النمو والإنتاجية، ما يحدّ من أثر الإصلاحات ويُبقي الخسارة خارج الحسابات الاقتصادية الفعلية.
وفي الخلاصة، لا يمكن الحديث عن تحسين التنافسية أو جذب الاستثمار أو رفع الإنتاجية في الأردن دون التعامل الجاد مع الزمن باعتباره ثروة وطنية لا تفصيلًا إداريًا. فالاقتصاد الذي يُهدر وقته يحدّ من قدرته على النمو بقراراته اليومية، بينما الاقتصاد الذي يحسن إدارة الزمن يوسّع فرص الإنتاج والاستثمار والتنافسية. وإدارة الوقت ليست مسألة تنظيم إداري، بل خيار اقتصادي يعكس جدية الدولة في استخدام مواردها، وقدرتها على تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة ومستدامة.