الأردنيون لا يرفضون الإصلاح… بل يرفضون دفع ثمنه وحدهم
أ. د. هاني الضمور
21-02-2026 10:26 AM
لم تعد المشكلة محصورة في قانون بعينه، ولا في مادة هنا أو تعديل هناك، بل في النهج الذي تُدار به شؤون الدولة، وفي الفجوة المتزايدة بين من يتخذ القرار ومن يتحمّل كلفته. حين تُطرَح على المجتمع، في توقيت واحد، سلسلة من القوانين التي تمس التعليم، والعمل، والضمان الاجتماعي، والسكن، والملكية، فإن السؤال المشروع لم يعد عن التفاصيل، بل عن المنطق الذي يحكم هذا المسار برمّته.
التوقيت ليس تفصيلاً عابرًا. المجتمع يعيش ضغطًا اقتصاديًا ونفسيًا غير مسبوق، والقدرة على الاحتمال تآكلت، والثقة لم تعد تُمنح تلقائيًا. لذلك فإن أي تشريع، مهما حمل من عناوين إصلاحية، يفقد قيمته إن لم يُقدَّم ضمن رؤية واضحة، وحوار حقيقي، وشعور عادل بتوزيع الأعباء. الإصلاح لا يُقاس بالنوايا، بل بالأثر، ولا يُنجح بالقوة، بل بالثقة.
وهنا تتقدّم الأسئلة الثقيلة التي لا يجوز الهروب منها. أين الثقة التي أودعها جلالة الملك عبدالله الثاني في من تولّوا المسؤولية؟ تلك الثقة لم تكن امتيازًا شخصيًا، بل أمانة وطنية، تُحمِّل صاحبها واجب الإدارة الحكيمة، والقرار المتزن، والقدرة على قراءة الناس قبل قراءة الأرقام. كما أن قسم اليمين الذي أُدّي أمام الله وأمام الملك لم يكن إجراءً شكليًا، بل تعهدًا صريحًا بأن تكون مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر.
المواطن اليوم لا يرفض الإصلاح، ولا يعادي التطوير، لكنه يرفض أن يكون الطرف الدائم الذي يدفع الثمن، بينما تُدار السياسات بلا مساءلة حقيقية. يرفض أن يُفاجأ بقوانين تمس حياته اليومية دون نقاش جاد، ودون بدائل واضحة، ودون إحساس بأن من صاغ القرار مستعد لتحمّل تبعاته.
الأخطر من القوانين نفسها هو إصرار بعض المسؤولين على البقاء في مواقعهم، حتى حين يتبيّن أن قدرتهم على الإدارة، أو على التواصل، أو على تحمّل المسؤولية، لم تعد كافية. الدولة لا تُدار بالمجاملات، ولا تُحمى بحسابات ضيقة، ولا تُبنى بالإصرار على الخطأ. المنصب ليس غاية، بل وسيلة، وإذا عجزت الوسيلة عن خدمة الهدف، فإن التخلي عنها واجب لا خيار.
هذه البلد لا تحتمل ترف التجريب، ولا تحتمل إدارة الأزمات بالأزمات، ولا تحتمل أن تُدار بعقلية “تمرير الوقت”. من لا يستطيع حمل الأمانة، أو يفتقد الجرأة على المراجعة، أو يعجز عن كسب ثقة الناس، عليه أن يغادر موقعه بهدوء ومسؤولية. فمغادرة الموقع حين العجز ليست ضعفًا، بل احترامًا للوطن.
لقد آن الأوان للقول بوضوح: لا داعي للمجاملات على حساب مصلحة الأردن، ولا مبرر لاستنزاف صبر الناس أكثر. الإصلاح الحقيقي يبدأ بمحاسبة جادة، وبمسؤولين يدركون أن الكرسي مؤقت، وأن الوطن باقٍ. وكفى.