facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خماسية المحنة والنهوض: في تشريح معادن البشر وفلسفة الاعتماد على الذات


مجد جلال عباسي
21-02-2026 11:18 AM




خمس سنوات مرت، لم تكن مجرد أرقام في رزنامة العمر، بل كانت "بوتقة" انصهار حقيقية لاختبار كل ما كنت أظن أنني أعرفه عن الحياة ومعادن الناس، غالباً ما نقيس الخسارة بالأرقام، لكن الخسارة الأعمق هي تلك التي تعيد صياغة نظرتنا للوجود البشري. خلال هذه السنوات الخمس، ومع خوضي غمار استثمارات مع جهات تبين لاحقاً فسادها، فقدت الكثير من المال، لكنني ربحت ما هو أثمن: "الرؤية الواضحة".

في خضم هذه العاصفة، تداعت إلى ذهني مقولة عبقرية لأحد أصدقاء الوالد، رحمه الله، مقولة تبدو في ظاهرها شعبية بسيطة، لكنها في جوهرها تمثل نظرية سوسيولوجية (اجتماعية) عميقة تصنف البشر إلى ثلاثة أنواع:

1. رجال "العز": (تجسيد الفضيلة )
هم الندرة، يمثلون القيمة المطلقة للأخلاق والنخوة. في الفلسفة، هؤلاء يجسدون "الفضيلة" كما وصفها أرسطو؛ يفعلون الخير لأنه خير، وليس طمعاً في منفعة. هم السند الحقيقي، ومحظوظ من تتقاطع دروبه معهم، لأنهم البوصلة التي تؤكد لنا أن الإنسانية لا تزال بخير.

2. رجال "الغز": (المنطقة الرمادية والبراغماتية النفعية)
هم الفئة المتقلبة، التي لا تعرف شرها من خيرها. هؤلاء يذكروننا بنظرية "البراغماتية" في أسوأ صورها، حيث تتغير مواقفهم وتتلون وجوههم بحسب اتجاه الريح والمصلحة. هم ليسوا أعداءً صريحين، لكنهم أصدقاء غير موثوقين، يقفون دائماً في المنطقة الرمادية.

3. رجال "الفز": (سيكولوجية الثالوث المظلم)
هم من يتلذذون برؤيتك تسقط، وكلهم شر. في علم النفس، هؤلاء يمثلون ما يُعرف بـ "الثالوث المظلم" (The Dark Triad) وخاصة السايكوباتية والميكافيلية. هؤلاء يعانون من ظاهرة نفسية تُعرف بـ "الشماتة المرضية" (Schadenfreude)، حيث يستمدون شعورهم بالقوة الزائفة من خلال رؤية ضعف الآخرين وانكسارهم.

فلسفة التدمير الخلاق: من رحم الخسارة تولد المعرفة
لقد كانت تجربتي مع الاستثمارات الفاسدة قاسية، لكنني اليوم أنظر إليها عبر عدسة نظرية "التدمير الخلاق" (Creative Destruction) للمفكر جوزيف شومبيتر، ونظرية "اللا هشاشة" لنسيم طالب. الضربات التي تلقيتها لم تكسرني، بل دمرت قناعاتي الساذجة لتبني مكانها وعياً صلباً. الصدمات لا تضعف الإنسان الذي يمتلك الإرادة، بل تجعله أقوى وأكثر مناعة.
في هذه المحنة، اكتشفت معادن الرجال. والمفارقة الجميلة والنعمة الكبرى، أنني وجدت "أصدقاءً حقيقيين"، أصدقاء كانوا هم "رجال العز". والحمد لله أن نصيبي منهم كان كبيراً، ليكونوا طوق النجاة في بحر من الخذلان.

مفارقة الثروة: دروس العودة إلى القوة
الآن، وبعد أن طويت تلك الصفحة، وبدأت والحمد لله رحلة العودة والصعود نحو قوة أكبر وأكثر نضجاً، أضع بين أيديكم أهم الدروس الفلسفية التي استقيتها من التجربة:

1- فقر الأغنياء وغنى الفقراء: لقد أدركت الفلسفة "الرواقية" (Stoicism) بكل حواسّي. كما يقول الفيلسوف سينيكا: "ليس الفقير هو من يملك القليل، بل من يشتهي الكثير". بعض الأصدقاء الذين يملكون ثروات طائلة، هم في الواقع "أفقر الفقراء" من حيث النخوة والمروءة والروح. وفي المقابل، بعض الأصدقاء البسطاء مالياً، هم "أغنى الأغنياء" بما يحملونه من كرامة وشهامة واستعداد للتضحية.
2- الوفرة وادعاء الفقر: اكتشفت حقيقة اجتماعية مؤلمة، وهي أن الأغلبية الساحقة من الناس تُصاب بـ "الفقر المفاجئ" بمجرد أن تحتاج إليهم. هذا يثبت أن الكثير من العلاقات تُبنى على "الرخاء المشروط"، وتسقط عند أول اختبار للأزمة.

إلى الشباب الذين يشقون طريقهم في هذه الحياة، أقول لكم مستعيناً بروح مقال الفيلسوف رالف والدو إمرسون الشهير "الاعتماد على الذات": لا تعتمدوا على أحد غير أنفسكم. لا تبنوا آمالكم على وعود الآخرين، ولا تربطوا نجاحكم أو ن نجاتكم بوجود شخص ما. اجعلوا من أنفسكم الجدار الذي تستندون إليه. ثقوا بالله، ثم بقدراتكم، وتعلموا أن الضربة التي تسقطكم اليوم، هي ذاتها التي ستعلمكم كيف تقفون كالجبال غداً. الحياة رحلة فردية في جوهرها، ولن يحمل عبء حلمك أو نهوضك سواك.

وأخيراً، وبعد كل هذه الدروس الدنيوية، أوجه بوصلة القلب نحو السماء، لأؤكد الحقيقة المطلقة: النجاة الحقيقية تبدأ وتنتهي بالدعاء والطلب من الله، فهو السميع المجيب. وهنا، وبمنتهى الشفافية، أقف أمام زلة نفس وخطأ جوهري وقعت فيه في الماضي؛ ففي أوج رخائي، وحينما كانت نعم الخالق تنهمر عليّ بغير حساب وتغمرني الأفضال، تسلل إليّ شعور بشري قاصر، فسألت في لحظة تعجب واستكثار: "يا رب، هذا كثير، هل أستحق أنا حقاً كل هذا؟".

لم أكن أدرك حينها فلسفة "أدب التلقي" عن الله. فكان الجواب الإلهي متمثلاً في تلك التجربة القاسية التي امتدت لخمس سنوات عجاف، لتعيد صياغة فهمي وتطهر نظرتي. لقد كانت رسالة ربانية لنتعلم أن عطاء الله لا يُقاس بمقاييس البشر المحدودة، ولا يخضع لحسابات "الاستحقاق" الضيقة، بل يفيض من بحر جوده وكرمه المطلق.

واليوم، وبعد أن رفعت أكف الضراعة، وقدمت اعتذار القلب وصدق التوبة للمنعم جل جلاله، بدأت بشائر نعمه تعود لتغمرني من جديد، وكلي يقين راسخ بأنها ستكون أكثر غزارة وعظمة بإذنه تعالى.
لقد خرجت من رحم هذه المحنة بعقيدة إيمانية وفلسفية راسخة أهديها لكل من يقرأ: عندما تقف بباب الله وتطلب منه، فاطلب الكثير الكثير. لا تستكثر شيئاً على فضله، ولا تضع حدوداً لأحلامك أو دعواتك بناءً على ضعفك، بل اطلب بناءً على عظمة وقدرة من تسأله. فخزائن الله لا تنفد، وعطاؤه يتجاوز كل حدود المنطق البشري.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :