facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حكومتنا .. عبّوا الخزان .. أحسن من تسكير الحنفية


محمود الدباس - أبو الليث
21-02-2026 03:19 PM

الحكومات الرشيدة لا تنتظر أن يعلو الألم.. حتى تبحث عن المسكن.. ولا تجعل الكيّ أول خياراتها.. بل تفتش بصبر.. عن كل سبيل يخفف عن الناس.. قبل أن يضطرهم إلى الاحتمال.. تفكر من خارج الصندوق حين يضيق الصندوق.. وتوسع الأفق قبل أن تضيق الخيارات..

ومن هنا أكتب.. لا بصفتي خبيرا في الضمان الاجتماعي.. ولا صاحب دراسات اكتوارية معقدة.. وحتى لا أفهم فيها كثيراً.. بل بعين ترى وظيفة الدولة ككل.. والحكومات بشكل خاص.. كما يجب أن تكون.. وبعقل يحاول أن يضع المسألة كاملة على الطاولة.. أشرحها من كل زاوية.. أوازن بين أرقامها ومخاوفها.. فإن اقتنعتُ برأيٍ تبنيته بوضوح.. ودافعت عنه بلا مواربة.. وإن لم أمتلك يقينا كاملا.. تركت الأمر مشرّحا أمام القارئ كما هو.. بلا تجميل ولا تهويل..

فهذا ليس مقالا عن رقم يُضاف إلى سن التقاعد.. ولا عن نسبة اقتطاع تُرفع.. أو تُخفض.. بل عن فكرة كاملة.. اسمها الضمان الاجتماعي.. عن العقد غير المكتوب بين جيل يعمل اليوم.. وجيل ينتظر راتبه في الغد.. عن الخزان الذي يجب أن يمتلئ باستمرار.. لا أن ننشغل فقط بإحكام إغلاق الحنفية.. بينما الماء نفسه يتناقص..

هنا سأحاول تبسيط الفكرة من جذورها.. سنمر على مفهوم الاشتراك ولماذا يُؤخذ.. وعلى معنى أن يخدم 4 أو 5 مشتركين متقاعدا واحدا.. وعلى ما يحدث حين تصبح البطالة.. أوسع من فرص العمل.. وحين يتحول التهرب.. إلى سلوك دفاعي..

ثم سندخل إلى أخطر المحطات.. نقاط التعادل الثلاث.. وماذا يعني أن يقترب صندوق المؤسسة من أي منها.. قبل أن نضع التعديلات تحت المجهر.. لا لنصفق لها.. أو نهاجمها.. بل لنفهم لماذا جاءت.. وماذا تفعل فعلا.. وماذا تُخفي.. ثم نسأل السؤال الذي يؤجل كثيرا.. هل المشكلة في الحنفية.. أم في الخزان ذاته؟!..

الضمان الاجتماعي في جوهره بسيط الفكرة.. عميق الأثر.. العامل يقتطع جزءا من أجره.. وصاحب العمل يضيف جزءا آخر.. لتُدفع رواتب لمن خرجوا من سوق العمل.. النظام هنا قائم على ما يسمى بنسبة الإعالة.. أي كم مشترك فاعل.. يمول متقاعدا واحدا.. في الأنظمة المريحة تاريخيا.. يكون المعدل بين 4 إلى 6 مشتركين لكل متقاعد.. عندها يكون الهامش آمنا.. وتكون الصدمات الاقتصادية قابلة للاحتواء.. لكن حين ينخفض المعدل إلى 3 مقابل 1 يبدأ القلق.. وحين يقترب من 2 مقابل 1 يدخل النظام منطقة الخطر.. لأن الاشتراكات الجارية.. لا تكفي وحدها.. ويصبح الاعتماد على عوائد الاستثمار.. أو على تدخلات لاحقة أمرا شبه محتوم..

هنا تظهر المشكلة البنيوية.. ماذا يحدث إذا لم يولد الاقتصاد فرص عمل كافية؟!.. ماذا لو كانت الاستثمارات التي نفاخر بها.. كثيفة رأس المال قليلة العمالة؟!..
ماذا لو توسع العمل غير المنظم.. وتسلل التهرب من الاشتراك.. تحت ضغط ضعف الثقة.. أو ضعف الرقابة؟!..
حينها لا ينكمش الخزان فجأة.. بل يتآكل ببطء.. سنة بعد سنة.. حتى نصل إلى ما يسمى بنقاط التعادل..

نقطة التعادل الأولى تعني.. أن الاشتراكات السنوية تساوي النفقات السنوية.. لا فائض بعد اليوم.. مجرد توازن هش..
الثانية تعني.. أن النفقات تجاوزت الاشتراكات.. فيبدأ الاعتماد على عوائد الاستثمار لسد الفجوة..
أما الثالثة فهي الأخطر.. حين لا تكفي الاشتراكات ولا العوائد.. فيبدأ المساس بالأصول نفسها.. بيع موجودات لتغطية رواتب.. وهنا يتحول الضمان من نظام مستدام.. إلى نظام يستهلك نفسه.. كل سنة تقصّر عمره أكثر..

في هذا السياق جاءت التعديلات.. رفع سن التقاعد.. زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة.. إعادة ضبط بعض الشروط.. منطقها الاكتواري واضح.. تقليل سنوات الصرف.. وزيادة سنوات التحصيل.. أي محاولة إبعاد الصندوق عن نقاط التعادل الحرجة..

لكن السؤال العادل ليس.. هل هذا صحيح حسابيا؟!.. بل.. هل يكفي وحده؟!.. لأن ضبط المصروفات.. دون توسيع قاعدة المشتركين.. يشبه شد الحزام.. بينما الوزن يتراجع أصلا..

الاستدامة الحقيقية.. لا تُبنى فقط بقرار مالي.. بل بسياسة اقتصادية واعية.. حين تعجز الحكومات المتعاقبة.. عن جلب استثمارات كبيرة مولدة للوظائف.. أو حين تنفر مَن حاول أن يستثمر.. وغادر مثقلا بالتعقيد والبيروقراطية.. فإنها لا تخسر فرصة نمو فقط.. بل تضيق قاعدة الضمان نفسه.. وحين يُترك الاقتصاد غير المنظم.. يتسع بلا إدماج حقيقي.. فإن آلاف العاملين يبقون خارج المظلة.. لا يحمون أنفسهم.. ولا يرفدون الصندوق..

الحلول الأقل كلفة اجتماعيا موجودة.. لكنها تحتاج شجاعة مؤسسية.. لا شعبوية خطابية..
توسيع الشمول الإلزامي بآليات رقمية ذكية.. تربط البيانات الضريبية والتأمينية..
تحفيز القطاعات كثيفة التشغيل.. لا الاكتفاء بمشاريع لامعة قليلة العمال..
إعادة هندسة الحوافز.. لتشجيع الشركات على التصريح الحقيقي بالأجور..
استقرار تشريعي يعيد بناء الثقة.. فلا يشعر المشترك.. أن القواعد قد تتغير كل بضع سنوات..
هذه المسارات قد تملأ الخزان فعلا.. بدل الاكتفاء بإغلاق الحنفية..

لن ننتصر لرأي مسبق.. ولن نُجامل خطابا يعد الناس بما لا تحتمله المعادلات.. سنسأل بهدوء.. ماذا لو لم نفعل شيئا؟!.. ربما نكسب سنوات هادئة.. ثم نواجه جراحة عميقة مؤلمة..
وماذا لو فعلنا شيئا ناقصا؟!.. ربما نؤجل الأزمة دون أن نمنعها..
الكلفة الحقيقية ليست في التعديل ذاته فقط.. بل في توقيته.. وفي شموليته.. وفي البيئة الاقتصادية التي يعيش فيها..

الضمان الاجتماعي ليس رقما في تقرير.. ولا مادة في قانون.. بل انعكاس لسياسات الدولة كلها.. إن كان سوق العمل حيا.. والاستثمار مولدا للوظائف.. والرقابة عادلة.. والثقة مستقرة.. عاش الصندوق طويلا دون صخب..

وإن بقيت البطالة مرتفعة.. والاستثمارات محدودة الأثر التشغيلي.. والتهرب يتمدد في الظل.. فلن تنقذه تعديلات شكلية مهما بدت صارمة..

المعادلة في النهاية واضحة.. عبّوا الخزان بنمو حقيقي وفرص عمل واسعة.. قبل أن تنشغلوا فقط بإحكام إغلاق الحنفية.. فالحكومات الواعية.. لا تنتظر لحظة الجراحة العميقة.. بل تعالج الخلل وهو في بدايته.. بهدوء.. وباستباق.. وبسياسات تجعل الاستدامة نتيجة طبيعية.. لا قرارا اضطراريا..

ولنعلم جبداً.. إن أسهل قرار على أي حكومة.. هو تعديل سن التقاعد.. وأصعب قرار هو خلق وظيفة جديدة.. وتُقاس وطنية وقوة ومهنية الحكومات.. بما تختاره من الطريقين..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :