الضمان الاجتماعي في الأردن .. إصلاح على طريقة المواطن يدفع أولًا ويفهم لاحقًا
د. هيفاء ابوغزالة
21-02-2026 03:21 PM
من جديد، يُفتح ملف الضمان الاجتماعي في الأردن بالطريقة نفسها التي اعتادها الناس:
الحكومة تتحدث عن “الإصلاح”
الوزراء يتحدثون عن “الاستدامة”
الخبراء يتحدثون عن “نقطة التعادل”
والمواطن يتحدث عن شيء واحد فقط: أنا ماذا سيحدث لي؟
ومن حقه أن يسأل. بل من واجبه أن يسأل. لأن الضمان الاجتماعي ليس ندوة اقتصادية ولا تمرينًا محاسبيًا، بل هو ملف يمس عمر الناس وتعبهم وشيخوختهم وأمان أسرهم. ومع ذلك، يُقدَّم كل مرة وكأنه معادلة تقنية باردة، المطلوب من المواطن أن يوقّع عليها بثقة، ثم يشكر الجميع على “الإصلاح”.
منذ إعلان أبرز ملامح مشروع القانون المعدّل للضمان الاجتماعي لسنة 2026، انفجرت ردود الفعل الشعبية والبرلمانية، لا لأن الناس ضد الإصلاح كما يُلمَّح أحيانًا، بل لأنهم شعروا — مرة أخرى — أن الإصلاح يأتي دائمًا من جيبهم، ومن أعصابهم، ومن سنوات عمرهم.
فحين يُقال للناس إن سن التقاعد الوجوبي سيرتفع تدريجيًا، وإن عدد الاشتراكات المطلوبة سيرتفع من 180 إلى 240، فإن الرسالة الشعبية المباشرة ليست “تطويرًا تشريعيًا”، بل: اعمل أكثر وانتظر أكثر واطمئن أقل.
وحين يصبح التقاعد المبكر مشروطًا بـ360 اشتراكًا بصرف النظر عن العمر، فإن كثيرين لا يسمعون عبارة “تنظيم التقاعد المبكر”، بل يسمعون: باب النجاة يضيق.
أما اللغة الرسمية، فهي كعادتها أنيقة ومقنعة على الورق:
استدامة مالية
إبعاد نقطة التعادل من 2030 إلى 2042
معالجة اختلالات التقاعد المبكر
رفع الحد الأدنى لبعض الرواتب التقاعدية إلى 200 دينار
وكل ذلك جميل في العرض، لكن المشكلة أن المواطن الأردني لم يعد يعيش في “العرض”. هو يعيش في السوق، في الإيجار، في فاتورة الكهرباء، في كلفة الدواء، في الخوف من المستقبل. لذلك لا يسمع الأرقام كما تسمعها المكاتب، بل كما تترجمها الحياة اليومية.
التهكم هنا ليس تجنيًا، بل انعكاس طبيعي لحال الشارع. لأن الناس تسمع منذ سنوات العبارة نفسها تقريبًا: “الإصلاح ضرورة”. ثم تكتشف أن هذه الضرورة تأتي دائمًا متأخرة، ومصحوبة بقلق واسع، ومحمّلة بكلفة اجتماعية عالية. وكأن إدارة الملفات العامة عندنا تقوم على قاعدة ثابتة: دع الأزمة تكبر أولًا، ثم قدّمها للمواطن كواجب وطني.
الأخطر من التعديلات نفسها هو الرسالة التي تتسلل إلى الناس من طريقة إدارتها:
أن الملفات الكبرى لا تُفتح إلا بعد أن تضيق الخيارات
وأن الشفافية تصل متأخرة
وأن المواطن آخر من يعرف التفاصيل وأول من يُطلب منه التحمّل
وهنا يصبح الموضوع سياسيًا بقدر ما هو اجتماعي واقتصادي. لأن الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة تصرف رواتب تقاعدية، بل أحد أعمدة الثقة بين الدولة والمجتمع. وإذا شعر الناس أن هذه الثقة تُدار بلغة فوقية أو بمعادلة “تحمّلوا الآن وسنشرح لاحقًا”، فإن الضرر لا يبقى داخل ملف الضمان، بل يتمدد إلى صورة الدولة نفسها في الوعي العام.
اجتماعيًا، أثر هذه التعديلات لا يقف عند الفرد. هو يدخل كل بيت. تأخير التقاعد يعني تأخير خطط عائلات كاملة، وتأجيل التزامات، وإرباك حسابات، وزيادة ضغط نفسي على من يعملون أصلًا في ظروف صعبة. وتشديد شروط التقاعد المبكر يعني أن فئات كثيرة، خصوصًا من أنهكتهم المهن الشاقة أو سوق العمل غير المستقرة، ستشعر أن سنوات العمل تطول بينما الأمان يتراجع.
سياسيًا، الخسارة الأكبر قد لا تكون في الجدل الحالي فقط، بل في تآكل الثقة بفكرة الإصلاح نفسها. فعندما يترسخ لدى الناس أن كل “إصلاح” يعني عمليًا تحميلهم المزيد من الأعباء، يصبح أي إصلاح لاحق — مهما كان ضروريًا — موضع شك ورفض مسبق. وهنا نكون قد خسرنا أخطر ما تحتاجه الدولة في الملفات الكبرى: القبول المجتمعي.
لا أحد يرفض الاستدامة المالية من حيث المبدأ، ولا أحد ينكر خطورة التوسع في التقاعد المبكر إذا كان يهدد التوازن المالي للمؤسسة. لكن الناس تريد أن ترى إصلاحًا حقيقيًا لا مجرد إعادة توزيع للضغط. تريد شفافية كاملة، ونقاشًا مبكرًا، وعدالة واضحة في توزيع الكلفة، ومصارحة تقول من أوصل الملف إلى هذه المرحلة، بدل الاكتفاء بعبارات مطمئنة لا تُسكن قلقًا ولا تبني ثقة.
في النهاية، قد تنجح الحكومة في تحسين المعادلات على الورق، وقد تؤخر نقطة التعادل سنوات إضافية، لكن الامتحان الحقيقي ليس فقط في دفاتر المؤسسة، بل في الشارع الأردني نفسه.
لأن السؤال الذي يطرحه الناس اليوم ليس تقنيًا على الإطلاق:
هل هذا إصلاح يحميهم فعلًا، أم إصلاح يطلب منهم أن يدفعوا الثمن ثم يصفقوا