واقع التجربة الحزبية الأردنية
د. أحمد صالح البطاينة
22-02-2026 03:33 PM
أولا لابد من الإشارة عند مناقشة هذا الموضوع، والمقصود هو التجربة الحزبية الأردنية، إلى ما تضمنه التوجيه الملكي للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية من بينها:
-"إن التحديث والتطوير من سمات الدول والشعوب الحية، وشعبنا الأردني العزيز كان دوما في مقدمة الشعوب الطامحة للتقدم والإصلاح".
- "إن مسؤوليتكم اليوم تتمثل بوضع مشاريع قوانين توافقية تضمن الانتقال المتدرج نحو تحقيق الأهداف المستقبلية كاملة، والتمثيل العادل للمواطنين على امتداد الوطن، وتخدمهم في حاضرهم، وتستشرف تطور حياتهم ومستقبلهم".
هكذا كانت الرؤية الملكية، إلى جانب توجيهات أخرى تنقل الدولة إلى مرحلة متجددة في المئوية الثانية من عمر الدولة المديد، فقد أشارت التوجهات الملكية للجنة إلى ضرورة السير قدما بعملية الإصلاح بمختلف مساراتها، والعمل الجدي من أجل الوصول بالدولة الأردنية إلى مدارج الرفعة والتقدم. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار، هل الاصلاح يقتصر فقط على تحديث المنظومة السياسية، أم أنه يشكل منظومة متكاملة تطال كل مكونات الدولة؟! فهل كانت هذه الرؤية حاضرة أو أخذتها اللجنة بعين الاعتبار لتحقيق الرؤية الملكية؟، ولعل أهم ما يجب أن تنطوي عليه عملية الإصلاح، هو إلإصلاح الإجتماعي الذي يشكل التعليم جوهره وحجر الزاوية لأي تقدم وتحديث ونهضة، والذي غاب نهائيا عن فلسفة اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
أشار التوجيه الملكي للجنة أيضا إلى التمثيل العادل للمواطنين على امتداد الوطن، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار أيضا، هل تحقق ذلك من واقع التجربة الحزبية، وتم ترجمته على أرض الواقع فعليا؟. لقد وصل عدد الأحزاب إلى ( 32 ) حزباً مرخصا، ناهيك عن (11) حزبا تحت التأسيس، وبلغ إجمالي عدد أعضائها 71682 (ذكورا وإناثا) فقط !. هذه الأرقام تعيد إلى الأذهان مقولة الملك الراحل الحسين طيب الله ثراه بأن: «كثرة الزحام تعيق الحركة»، "وتؤكد بأننا لم نرتقِ بعد إلى فلسفة العمل الحزبي، ولا حتى قبول العمل الجماعي، فلا زالت لدى الكثيرين أهواء العمل الفردي القائم على قيادة أشخاص، بغض النظر عن الفكرة أو المشروع أو البرنامج".
وعلى الرغم من ذلك، جاء قانون الانتخاب الأردني الجديد والمعدل للأحزاب السياسية، وخصص حصة متدرجة في مقاعد مجلس النواب، تبدأ بـ 30% من المقاعد في المجلس الحالي، لترتفع إلى 50% في المجلس الذي يليه، وصولاً إلى استقرار النسبة عند 65% من إجمالي مقاعد مجلس النواب، فهل تستحق الأحزاب، بمجمل أعضائها والتي تفتقر إلى الامتداد المجتمعي والقواعد الشعبية على امتداد الوطن، مثل هذه الكوتا التي خصصها لها القانون؟!، وهل حقق ذلك التمثيل العادل للمواطنين على امتداد الوطن، كما كان المقصود من التوجيه الملكي للجنة تحديث المنظومة السياسية؟!.
من جانب آخر، وفرت الحكومة دعما رسميا ماليا للأحزاب السياسية، بحيث يتم تخصيص بند في الموازنة العامة للدولة للمساهمة في دعم الأحزاب من أموال الخزينة، بالإضافة إلى النوع الثاني من المساهمات المالية المقررة للأحزاب السياسية، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بما تحققه هذه الأحزاب من نتائج في الانتخابات النيابية التي تخوضها، أو أي انتخابات محلية أخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل هذا الدعم المالي شجع الأحزاب على النهوض بواقع التجربة الحزبية، وأن تتجاوز ما وصلت إليه من واقع أقل ما يقال فيه أنه لم يحقق الرؤية الملكية، بل على العكس، فإن الواقع الحالي لا يبشر بالخير، بالنسبة لحاضر ومستقبل التجربة الحزبية الأردنية.
ومن المتفق عليه، أن دور الأحزاب السياسية، لا يقتصر على مجرد العمل السياسي التقليدي، أو المشاركة في انتخابات السلطة التشريعية فقط ، وعلى الرغم من أنه لا وجه للمقارنة بين الأحزاب الأردنية، في الخمسينيات من القرن الماضي، وبين الأحزاب الأردنية الموجودة الآن، إلا أنه من المفيد أن نقارن بينها من جانب واحد فقط، يسلط الضوء على الفرق الجوهري بين على الأقل نشأتها ونشأة الآحزاب الأردنية في الوقت الحاضر. صحيح أن الأحزاب الأردنية في خمسينيات القرن الماضي، كانت أحزابا أيديولوجية، إلا أنها استطاعت استقطاب قواعد عريضة جدا من الشعب الأردني على امتداد الوطن، لأن الانتماء للأحزاب كان انطلاقا من إيمان أعضائها بالأفكار التي يدعو إليها الحزب، ولم يكن لها دعم دستوري وتشريعي، كالدعم الذي استحوذت عليه الأحزاب الأردنية الآن، والتي لم تستطع رغم هذا الدعم أن تستقطب إلا العدد الهزيل جدا من الشعب الأردني، وليس لها التأثير المأمول منها في مختلف المجالات على الساحة الأردنية، بينما كان للأحزاب في عقد الخمسينيات، تأثير كبير وفاعل على مسار الأحداث، لأنها كانت أحزابا حقيقية تعبر عن آمال وطموحات الشعب، وتضم في صفوفها رجال دولة، ما انحازوا، إلا للوطن، لكنهم كانوا قادرين على التأثير في الرأي العام، والدفاع عن القضايا الوطنية.
الخلاصة، أن المقاربات الرسمية لموضوع الأحزاب، جعلت الأحزاب تركن إلى دعم الدولة لها وما حصلت عليه من دعم دستوري وتشريعي. وما شهدته المنظومة القانونية من تعديلات جوهرية لتعزيز المشاركة الحزبية، لم يساعدها على النهوض بدورها الحقيقي، الأمر الذي لم يشجعها كي تكون أحزابا حقيقية تعتمد على نفسها في بناء نفسها، وانتهى بها الأمر إلى أن تكون أحزابا شكلية بل وهشة، ليس لها أي فعل على أرض الواقع، وهي مشغولة بالانشقاقات الحزبية والصراعات الداخلية، وغالبيتها ليس لديها رؤية واضحة حول ماهية دورها ولماذا نشأت أصلا!!.
الدعم القانوني الذي حصلت عليه الأحزاب لم تترجمه إلى حضور فاعل عبر الإقتراب من قضايا الناس وهمومهم، وطرح الحلول لها ومعالجتها، فهل اقتربت هذه الأحزاب من تحقيق وتوسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز رقابة المجتمع على الحكومات؟! وهل حققت الأحزاب في الوقت الذي تم توصيفها بأنها أحزاب برامجية أي شىء، وهل بالفعل كان لها أي دور فاعل على الساحة منذ تأسيسها وانطلاقتها؟!، والمفروض أن لديها برامج عمل متكاملة لترجمتها على أرض الواقع، بناء على ما يقتضيه واقع الدولة على مختلف الأصعدة السياسية والإجتماعية والاقتصادية! فالأحزاب الأردنية لم تحقق أي شيء من ذلك، لذلك فإن الأمر يدعو إلى سحب الدعم الدستوري والتشريعي للأحزاب، وطالما أن تشكيل الأحزاب مُتاح، لماذا لا تترك الساحة للجميع حزبيين وغير حزبيين للمنافسة على جميع مقاعد مجلس النواب، وإذا أثبتت الأحزاب جدارتها في الانتخابات، وارتفع منسوب الثقة بينها وبين الشعب، عندها تتجسد الإرادة الحقيقية لتحقيق أهداف عملية التحديث والإصلاح السياسي، كما أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني في توجيهاته للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وطرحها في أوراقه النقاشية.