نظرا لتعدد الانشغالات ، وأعمالنا الأخرى التي لا تمنعنا من الإبداع، ولان الوقت يأسرنا، و لأن لدينا اشغال كثيرة غير العبث بالألوان والتخطيط بأقلام الرصاص، يظل الزمن هو العامل الأكثر أهمية في الإنجاز الفني. فالتخطيط الذي يستغرق صنعه اكثر من دقيقة يصبح عبئاً على صانعه. ويتحول هذا السكيتش إلى (ارتومانيا ) شبيه ب(الغرافومانيا) والاجتهادات اللغوية غير المقنعة.
العفوية والتقاط اللحظة بعجالة المار هو المهم ، كما ان الخلق الفني والابداعية في صناعة وصياغة الفكرة بصرياً، هو المطلوب فنياً.
نحن نحتاج لأدوات صنع "فن سريع" لا يستغرق أوقاتنا اكثر مما هو وقتنا مسروق. وكذلك نحن نحتاج إلى الألوان سريعة الجفاف والتجفيف وهي مطلوبة في زمن الصورة السريعة التي نصنعها في ثانية، وفي زمن الديجيتال والذكاء الصناعي .. الذي يختصر الزمن ويعجل في الخلق.
الجمال في الفن والرسم ليس مهماً في الاناقة والترتيب، الخرائب جميلة أيضاً، وهو ما نطلق علية "جماليات الخراب".
والفن الحديث يمكن ان يكون اسرع من الرصاصة في زمن البحث عن الاستقلال والحرية والحق في تقرير المصير.
الفن يتطور مع الزمن ومع التطور التكنولوجي والديجيتالي وكذلك بفعل التطور الهائل على وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي.
وتتغير أدوات الصناعة الفنية وفنون الرسم المتعددة وكذلك المدارس الفنية وأدوات التلقي.
نحن في زمن جديد يستطيع فيه مارق الطريق ان يصنع لوحة على حائط في الطريق، وان يصنع عارف بتكنلوجيا اليوم والذكاء الصناعي لوحة تضاهي "صرخة" مونك و "موناليزا"ليوناردو دافينشي.
كما انتهت المرحلة الإبداعية في الكتابة عندما كنا نكتب بالقلم ونمحي ونشطب بالممحاة.. وصارت آلة الطباعة اليدوية من التراث القديم عندما اخترعنا جهاز الحاسوب الذي تفوّق علينا وشعرنا بالاغتراب لانه من صنعنا وتغلب علينا وعلى أدواتنا الإبداعية السابقة.
إنها المفارقة عندما تتحول الأدوات الفنية وتتغير الأزمان ونحن نسير ولا نتوقف عند مدرسة او أخرى في الرسم والفن.
غابرييل غارسيا ماركيز احتاج ثلاث سنوات لكتابة رواية 'مائة عام من العزلة' طبعاً، الكتابة كانت بالقلم والورق والآلة الكاتبة ولكنه في رواياته الأخيرة لم يحتج إلى مثل هذا الوقت واختصر الزمن بالخلاص من المرحلة الإبداعية في الكتابة إلى المرحلة الإلكترونية، وبدخول الحاسوب صار يكتب الرواية في ثلاثة اشهر بدل ثلاث سنوات.
والذكاء الصناعي جعل الرئيس الاوكراني يطحن رأس ترامب ويلكمه لكمات قوية..وجعل صورنا القديمة تتلون وتتحرك وأجسادنا الثابتة ترقص وتغني الأغنيات الطربية.
نحن في زمن مختلف والفن يتفاعل مع الزمن اياً كان.
ملاحظة اخيرة : للفنان او الرسام الحرية في رسم تفاحة في بحر ٣ شهور ، او ثلاث سنوات، او ثلاثة أيام، فهذا شأنه. وإذا أراد ان يصنع لوحة وحيدة وعظيمة وفريدة من نوعها وعبقرية في دهر كامل فهذا شأنه أيضاً. المسألة ان الزمن يسبقنا والتكنلوجيا ساعدتنا كثيرا في اختصار المسافات، فلماذا نتخلف عن وتيرة الزمن الخارقة؟!