"الضمان الاجتماعي" بين نبض الشارع وقرارات الحكومة
فيصل تايه
23-02-2026 08:23 PM
ما يعيشه الشارع اليوم تجاه مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي ليس مجرد رفض لتغيير نص قانوني، بل تعبير صريح عن تعب تراكمي، وخوف حقيقي من المستقبل، وإحساس متجذر بأن المواطن مطالب دائماً بالتكيف، بينما تتغير القواعد من حوله دون أن يشعر أن صوته حاضر بالقدر الكافي، مع التنويه أن هذا المشروع لم يمر بعد بالقنوات التشريعية الدستورية وهو في مساره الطبيعي.
الناس لا تعترض ضد الأرقام لأنها لا تفهمها، بل لأنها تشعر أن النقاش يدار بعيداً عن واقعهم اليومي ، فالمواطن الذي يواجه غلاء المعيشة وضغط الالتزامات وعدم اليقين الوظيفي لا ينظر إلى تعديل أي قانون بمعزل عن هذه الخلفية الثقيلة ، لذلك، فإن أي قراءة منصفة للمشهد يجب أن تبدأ بالاعتراف الصريح بأن الشارع محق في قلقه، وأن هذا القلق ليس تهويلاً ولا تشويشاً، بل رد فعل طبيعي لإنسان يبحث عن الاستقرار في زمن تتغير فيه القوانين أكثر مما تتغير الأحوال.
من الخطأ اختزال الرفض الشعبي في سوء فهم، لأن ذلك يشعر الناس بأنهم موضع اتهام لا موضع شراكة ، فالمواطن الأردني بات أكثر حساسية تجاه أي تعديل يمس معيشته أو تقاعده، ليس لأنه يرفض الإصلاح، بل لأنه خبر سابقاً كلفة قرارات قيل له إنها ضرورية، ثم وجد نفسه وحده يتحمل آثارها ، فهذه الذاكرة الجمعية لا يمكن تجاوزها بخطاب تقني مهما كان دقيقاً.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولة تواجه تحديات حقيقية في استدامة أنظمتها التأمينية، وأن التحولات الديموغرافية والاقتصادية تفرض مراجعات جدية ، لكن الفارق بين الإصلاح الذي ينجح والإصلاح الذي يفشل لا يكمن في صحة التشخيص فقط، بل في طريقة تقديم العلاج ، العلاج الذي يفرض دون طمأنة يتحول إلى صدمة، والصدمة تولد رفضاً حتى لو كان الدواء صحيحا.
الاحتقان الحالي لا يعكس صداماً بين الدولة وشعبها، بل فجوة ثقة اتسعت لأن الحوار لم يكن بمستوى حساسية الملف ، الناس لا تطالب بالمستحيل، ولا ترفض مبدأ التنظيم، لكنها تريد ضمانات واضحة، مكتوبة، ومفهومة، تقول لها إن هذا التعديل ليس بداية لمسار مفتوح من التغييرات، وإنه لن يتحول إلى سابقة تستغل كلما ضاق الهامش المالي.
وفي هذه اللحظة الحساسة، على الحكومة أن تقدر مخاوف المواطنين وقلقهم، وأن ترى أن كل صوت مشروع يجب أن يُسمع، وكل سؤال يحتضن بعقل منفتح، لأن الاستماع ليس خياراً بل واجباً ، فعليها أن تضمن أن الحقوق المكتسبة للمواطنين محفوظة، وأن الأمان الاجتماعي للجميع يشكل قاعدة لا يمكن التنازل عنها ، كما وعليها أن تتخذ خطوات تتيح للمواطنين المشاركة الفاعلة في النقاش، وتحول أي غضب مشروع إلى فرصة للحوار المسؤول وإعادة البناء معاً ، فكل مرحلة صعبة هي اختبار لقدرة الحكومة على التعاطي بحكمة، وكل قلق مشروع هو مؤشر مهم على الطريق الصحيح ، لذلك ، على الحكومة أن ترى في مخاوف المواطنين مفتاحاً لخيارات أكثر عدلاً، وأن تضع يدها على نبض الشارع قبل اتخاذ أي قرار، لتبني الثقة بدلاً من الخوف، ولتؤكد للمواطن أن مشاركته وأمانه الاجتماعي هما جزء لا يتجزأ من أي إصلاح.
ما يحتاجه الشارع اليوم هو أكثر من شرح، يحتاج إلى طمأنة سياسية وأخلاقية، يحتاج أن يسمع بوضوح أن حقوقه المكتسبة مصونة فعلياً لا قولاً، وأن أي تطبيق سيكون متدرجاً وعادلاً، وأن الفئات الأكثر هشاشة لن تُدفع إلى الهامش مرة أخرى ، ما يحتاج قبل ذلك كله أن يشعر بأن الدولة ترى في قلقه بوصلة تصحيح، لا عقبة يجب تجاوزها.
الانحياز الحقيقي في هذه اللحظة لا يكون للشارع ضد الدولة، ولا للحكومة ضد المواطنين، بل للتماسك الوطني، لأن كلفة كسر الثقة أعلى بكثير من كلفة تعديل أي نص ، فأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول هذا الملف إلى مواجهة صفرية، يشعر فيها المواطن أنه خسر الأمان، وتشعر فيها الدولة بأنها فقدت القدرة على الإقناع.
الحل ليس في التراجع الكامل، ولا في التمسك الأعمى، بل في إعادة الإمساك بالملف بعقل بارد وقلب مفتوح، وفتح نقاش أوسع، وتقديم التزامات زمنية واضحة، والاعتراف بأن بعض المخاوف مشروعة وتستحق أن تعالَج لا أن تُبرر ، فالدولة القوية لا تخشى الإصغاء، لأنها تعرف أن الإصغاء لا يضعف القرار، بل يحميه من الانفجار.
بقي ان اقول : إن إنقاذ هذا المسار لا يكون بإقناع الناس أنه لا خيار أمامهم، بل بإقناعهم أن الخيارات المطروحة عادلة، محدودة، وقابلة للمراجعة، وأن الحكومة لن تمضي فيها دونهم ، عندها فقط يمكن تحويل الاحتقان إلى نقاش، والغضب إلى شراكة، والخوف إلى ثقة متدرجة.
واخيراً ، وفي هذه المرحلة الحساسة، يحتاج الجميع إلى خطوة تهدئة ذكية وشجاعة، لا تسقط الإصلاح، ولا تُسقط الناس، خطوة تقول إن الدولة باقية، وإن المواطنين مسموعون، وإن المستقبل لا يُبنى بكسر أحد، بل ببناء مساحة مشتركة تحمي الاستقرار وتحفظ كرامة الأردنيين.
والله ولي التوفيق