facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"أثر الفراشة والتثوير"


فيصل سلايطة
24-02-2026 11:40 AM

تُشير فكرة “أثر الفراشة” إلى أن حدثًا صغيرًا في بدايته قد يُفضي إلى نتائج هائلة وغير متوقعة مع مرور الوقت، وهي فكرة نشأت في علم الفوضى لتفسير حساسية الأنظمة المعقدة لأي تغيّر طفيف في مدخلاتها.

وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع السياسي والاجتماعي في الدول العربية، يتضح أن قرارات حكومية قد تبدو بسيطة أو إجرائية — كرفع ضريبة محدودة، أو تعديل دعم سلعة أساسية، أو تغيير آلية التوظيف — يمكن أن تُحدث سلسلة من التفاعلات المتراكمة التي تنتهي بتقويض سنوات من البناء والتنمية، خصوصًا حين تمس هذه القرارات الفئات الأكثر هشاشة (البسطاء والفقراء).

الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية بطبيعتها شديدة الحساسية، لأنها تقوم على توازنات دقيقة بين الدخل والإنفاق، وبين الثقة والاستقرار، وبين الأمل والإحباط. حين تُتخذ قرارات دون دراسة أثرها التراكمي على هذه التوازنات، فإنها تُطلق ما يشبه تفاعلات متسلسلة : ارتفاع تكاليف المعيشة يقود إلى تآكل القدرة الشرائية، وهذا بدوره يُضعف الأسواق المحلية، ويزيد البطالة، ويُفاقم الشعور بالظلم، فتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتبدأ حالة من الاحتقان الاجتماعي الصامت.

ومع تراكم هذه العوامل، قد يتحول التململ إلى رفض، والرفض إلى احتجاج، والاحتجاج إلى حالة عدم استقرار تُهدر منجزات أعوام طويلة.

إن خطورة أثر الفراشة في السياق الحكومي لا تكمن فقط في حجم القرار، بل في موقعه وتأثيره الرمزي. فالقرارات التي تمس الاحتياجات الأساسية — الغذاء، الوقود، التعليم، الصحة — تحمل رسالة ضمنية للمواطنين حول أولويات الدولة. وعندما يشعر المواطن البسيط بأن كلفة الإصلاح تقع على عاتقه وحده، بينما تُستثنى الفئات الأكثر نفوذًا، يتولد شعور عميق بانعدام العدالة، وهو شعور قادر على تقويض العقد الاجتماعي أكثر من أي أزمة اقتصادية بحتة.

التثوير هنا لا يعني بالضرورة الدعوة إلى الفوضى أو الهدم، بل يشير إلى لحظة التحول التي يبلغ فيها الضغط الاجتماعي حدًا يجعل التغيير حتميًا. فالتاريخ يبيّن أن المجتمعات لا تثور بسبب قرار واحد، بل نتيجة تراكمات من القرارات الصغيرة التي تجاهلت هشاشة الواقع المعيشي. كل زيادة غير مدروسة، كل تقليص مفاجئ للخدمات، كل إجراء بيروقراطي يضاعف معاناة الناس، يعمل كرفّة جناح إضافية تُسرّع العاصفة القادمة.

إن الحكومات التي تدرك خطورة أثر الفراشة تسعى إلى بناء سياسات وقائية، قوامها العدالة التدريجية، والشفافية، وإشراك المجتمع في فهم الضرورات الاقتصادية. فالتواصل الصادق مع المواطنين، وتوزيع أعباء الإصلاح بعدالة، وحماية الطبقات الهشة عبر شبكات أمان اجتماعي فعّالة، كلها عوامل تُحوّل القرارات الصعبة من شرارة محتملة للاحتقان إلى خطوة مفهومة ضمن مسار إصلاحي متوازن.

في النهاية، لا تسقط الجبال بضربة واحدة، بل بتصدعات صغيرة تتسع مع الزمن. وكذلك الدول لا تنهار بقرار واحد، بل بسلسلة من القرارات التي تستهين بتأثيرها على حياة الناس اليومية. أثر الفراشة ليس استعارة شعرية فحسب، بل تحذير علمي وسياسي: أن أبسط القرارات، حين تمس كرامة الإنسان وأمنه المعيشي، قد تُطلق قوى تغيير لا يمكن احتواؤها.

ومعا يجب أن تدركه الحكومات أن حماية الاستقرار لا تتحقق بالقوة، بل بالعدل، وبفهم عميق لحساسية المجتمعات تجاه أصغر رفّة قد تتحول إلى عاصفة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :