تعزيز الإنتاجية في الأردن .. قراءة في التجارب العالمية
أ. د. هاني الضمور
25-02-2026 10:17 AM
يواجه الأردن تحديات اقتصادية واجتماعية باتت معروفة في الأدبيات التنموية: نمو متواضع، بطالة مرتفعة خصوصًا بين الشباب والمتعلمين، ضغط متزايد على المالية العامة، وفجوة واضحة بين التعليم وسوق العمل. غير أن هذه التحديات، من منظور علمي عالمي، ليست استثناءً أردنيًا، بل سمات شائعة في دول لم تنجح بعد في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء قدرة إنتاجية مستدامة. السؤال الحقيقي إذن ليس: ما المشكلة؟ بل: كيف يمكن للأردن أن يتعلم من التجارب التي نجحت في كسر هذه الحلقة؟
تُظهر التجارب الدولية أن الفرق بين الدول لا يكمن في حجم الموارد بقدر ما يكمن في طريقة إدارة الحوافز والمؤسسات. دول محدودة الموارد مثل كوريا الجنوبية أو أيرلندا لم تنطلق من أوضاع أفضل من الأردن في مراحل معينة من تاريخها، لكنها ركزت على هدف واضح: رفع إنتاجية الإنسان عبر سياسات متسقة وطويلة الأمد. هذا الدرس أساسي للأردن، حيث لا تزال كثير من السياسات تُصاغ لإدارة الضغط الاجتماعي الآني، لا لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية.
من منظور علم الاقتصاد، النمو الذي لا يرفع الإنتاجية لا يحل البطالة ولا يحسن مستويات المعيشة. تقارير مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد أن الدول التي اعتمدت على التوظيف الحكومي أو الإنفاق التحفيزي غير المنتج نجحت مؤقتًا في التهدئة، لكنها فشلت في خلق وظائف مستدامة ذات أجور حقيقية. هذه النتيجة تنطبق بدرجة كبيرة على الحالة الأردنية، حيث توسعت سياسات التسكين مقابل ضعف التحول الهيكلي.
الاستفادة الأردنية من التجارب العالمية تبدأ بإعادة تعريف الهدف المركزي للسياسة الاقتصادية. بدل أن يكون الهدف “خفض البطالة رقميًا”، يجب أن يصبح “رفع إنتاجية العمل”. هذا التحول ليس لغويًا، بل جوهريًا. فالدول التي نجحت ركزت على نوعية الوظائف، لا عددها فقط، وعلى القيمة المضافة، لا سرعة التوظيف. في السياق الأردني، يعني ذلك توجيه السياسات نحو القطاعات القادرة على النمو الحقيقي، وربط أي دعم أو حوافز بنتائج قابلة للقياس في الأجور والإنتاجية والاستدامة.
التجارب العالمية تُظهر أيضًا أن التعليم هو نقطة التحول الحاسمة، لكن بشرط عدم اختزاله في تلبية احتياجات سوق عمل متقلب. الدول التي نجحت لم تحوّل التعليم إلى تدريب ضيق قصير الأمد، بل استثمرت في مهارات أساسية قابلة للتكيف: التفكير النقدي، الكفاءة الرقمية، والقدرة على التعلم المستمر. بالنسبة للأردن، هذا يعني مواءمة التعليم مع الاقتصاد دون التضحية بوظيفته الوطنية والاجتماعية، وبناء جسور مؤسسية حقيقية بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية، لا الاكتفاء بالشعارات.
على مستوى بيئة الأعمال، تُجمع التجارب المقارنة على أن الاستثمار لا يتطلب إعفاءات استثنائية بقدر ما يتطلب قابلية التنبؤ. دول أوروبا الشرقية التي جذبت استثمارات نوعية لم تفعل ذلك عبر دعم واسع، بل عبر استقرار تشريعي، وعدالة تنافسية، وتقليل كلفة الدخول والخروج من السوق. في الحالة الأردنية، لا تزال عدم اليقين التنظيمي وتعدد المرجعيات من أكبر العوائق أمام الاستثمار المنتج، وهو درس مباشر يمكن الاستفادة منه دون كلفة مالية عالية.
كذلك، تُبرز الأدبيات العالمية أهمية كسر مركزية القرار المغلقة. الدول التي نجحت في التحول الهيكلي أنشأت قنوات مؤسسية دائمة للتغذية الراجعة من سوق العمل، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية. هذه المشاركة لا تُفهم بوصفها تنازلًا سياسيًا، بل أداة علمية لتقليل أخطاء السياسات في بيئات معقدة. الأردن، بحكم تركيبته الاجتماعية الشابة، أحوج ما يكون إلى هذا النوع من الحوكمة التشاركية.
الخلاصة أن الاستفادة الأردنية من التجارب العالمية لا تكمن في استنساخ نماذج جاهزة، بل في استيعاب منطقها العميق. العالم لا يقدّم وصفة واحدة، لكنه يقدّم قاعدة واضحة: الدول التي انتقلت من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة الإنتاجية فعلت ذلك عبر وضوح الهدف، وانضباط السياسات، والاستثمار في الإنسان والمؤسسات معًا. بالنسبة للأردن، هذا المسار ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا واقعيًا لبناء اقتصاد قادر على توفير العمل الكريم والاستقرار الاجتماعي في عالم سريع التحول.