facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تمكين المرأة في الأردن


م. عامر البشير
25-02-2026 11:15 AM

بمناسبة الاعلان البنك الدولي عن تقدّم الأردن 19 نقطة خلال 5 سنوات، في مؤشر المرأة وأنشطة الأعمال ، .. قوانين على الورق.. وفجوة التطبيق تعمق إقصاء المرأة إقتصادياً.

نادراً ما تُقاس التحولات المجتمعية الكبرى بما يُعلن في المؤتمرات الدولية، أو بما تسجّله التقارير العالمية من أرقام متقدمة. فالمعيار الحقيقي لأي تحول لا يظهر في البيانات الرسمية، بل يتجلى في التفاصيل الهادئة للحياة اليومية: في قرارات العمل العادية، وفي حرية الفرد في الاختيار، وفي تحوّل الفرصة من استثناء نادر إلى حالة طبيعية مألوفة.

عندما أُعلن عن تقدّم الأردن تسع عشرة مرتبة خلال خمس سنوات على مؤشر المرأة وأنشطة الأعمال والقانون الصادر عن البنك الدولي، بدا الإنجاز — للوهلة الأولى — تأكيداً لنجاح مسار إصلاحي تشريعي طموح استهدف تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة بوصفها رافعة للنمو الوطني.

ولا ينبغي التقليل من أهمية هذا التقدم،
فالقانون كان دائماً البوابة الأولى لأي تحول اجتماعي حقيقي.
غير أنّ سؤالاً أكثر عمقاً يفرض نفسه خارج التفاؤل الإحصائي:
هل تقدّم الواقع المعيش بالوتيرة ذاتها التي تقدّمت بها المؤشرات؟

الإصلاح الذي يبدأ بالنص
شهدت السنوات الأخيرة بالفعل تعديلات تشريعية مهمة وسّعت من مظلة الحماية القانونية للمرأة، وقلّصت أشكال التمييز الرسمية داخل سوق العمل، وفتحت مسارات أوسع للمشاركة الاقتصادية وتولي مواقع القيادة.
ويعكس هذا المسار إدراكاً متزايداً لحقيقة اقتصادية لم تعد قابلة للجدل:
فالاقتصادات الحديثة لا يمكنها تحقيق نمو مستدام وهي توظّف نصف طاقتها البشرية فقط.

لم يعد تمكين المرأة قضية حقوقية فحسب، بل أصبح شرطاً إنتاجياً أساسياً؛ ضرورة بنيوية للاقتصاد، لا مجرد هدف رمزي.
لكن التشريع يعمل في نطاق يختلف جذرياً عن نطاق التجربة اليومية.
فالقانون قد يزيل العوائق، لكنه لا يخلق الحركة تلقائياً بعدها.
إنه يفتح الباب — دون أن يضمن سهولة الطريق خلفه.

المفارقة الأردنية: تقدّم قانوني وبطء اقتصادي
هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.
فعلى الرغم من التحسن الملحوظ في الموقع القانوني للأردن، ما تزال نسبة المشاركة الاقتصادية الفعلية للمرأة من بين الأدنى عالمياً. وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة فشل الإصلاح، بقدر ما تكشف حدود التغيير القانوني ذاته.

فالمؤشرات القانونية تقيس ما هو مسموح،
بينما تكشف الاقتصادات ما هو ممكن.
وبين الإتاحة والإمكان تمتد مساحة واسعة تشكّلها تفاصيل الحياة اليومية: سهولة التنقل، كلفة العمل، ساعات الدوام، مسؤوليات الرعاية الأسرية، وطبيعة سوق العمل نفسه.
فالمرأة لا تدخل سوق العمل لأن القانون يسمح بذلك فحسب، بل حين يصبح العمل خياراً عقلانياً ومستداماً اقتصادياً واجتماعياً.

التمكين بوصفه سؤال المدينة
في عمقه الحقيقي، يتجاوز الموضوع حدود التشريع ليصل إلى كيفية تنظيم المدينة والاقتصاد معاً.
فالمدينة الحديثة بحق هي تلك التي تجعل المشاركة ممكنة فعلياً؛ مدينة توفّر تنقلاً ميسّراً، وخدمات رعاية موثوقة، واحتراماً لزمن الإنسان، وبيئات عمل لا تحوّل الوظيفة إلى حالة استنزاف دائم.

وحين يستهلك الوصول إلى العمل وقتاً أطول من العمل نفسه، وتصبح المشاركة عبئاً اقتصادياً إضافياً، تفقد حتى أكثر الأطر القانونية تقدّماً فعاليتها العملية.
عند هذه النقطة، لا يعود تمكين المرأة قضية قانونية فقط، بل يصبح مرتبطاً بالتخطيط الحضري، وأنظمة النقل، ونمو اقتصادي أكثر شمولاً.

إصلاح سريع وزمن بطيء
لا تكمن الإشكالية في الإصلاح بحد ذاته، بل في اختلاف إيقاعاته.
فالتشريعات تتطور بسرعة القرار السياسي،
بينما تتحرك التحولات الاجتماعية والمؤسسية بوتيرة أبطأ، تمتد أحياناً عبر أجيال كاملة.
ولهذا غالباً ما تتقدم المؤشرات على الواقع، إذ توثّق النوايا المنظمة قبل أن تتحول إلى نتائج ملموسة.
بهذا المعنى، نجح الأردن في تحرير الإطار القانوني، لكن البنية الاقتصادية لم تتطور بالزخم ذاته.

من الاعتراف إلى الاستيعاب
لم تعد المرحلة المقبلة مرتبطة بإصدار المزيد من القوانين، بل بقدرة الاقتصاد على استيعاب الطاقات التي جرى الاعتراف بحقها في المشاركة.
فالتمكين الحقيقي لا يتحقق حين يُسمح للمرأة بالعمل، بل عندما يصبح وجودها في الحياة الاقتصادية أمراً طبيعياً، لا يحتاج إلى تبرير استثنائي أو دعم مؤقت.
عندها فقط ينتقل التمكين من كونه مبادرة حكومية إلى حالة اجتماعية مستقرة.

المدينة التي تُخرج النساء من سوق العمل بصمت
وبين الإتاحة والإمكان تمتد مساحة واسعة تشكّلها تفاصيل الحياة اليومية: سهولة التنقل، كلفة العمل، ساعات الدوام، مسؤوليات الرعاية الأسرية، وطبيعة سوق العمل نفسه.
فالمرأة لا تدخل سوق العمل لأن القانون يسمح بذلك فحسب، بل حين يصبح العمل خياراً عقلانياً ومستداماً اقتصادياً واجتماعياً.

وفي مدينة كعمّان، قد تختصر تجربة يومية واحدة جوهر هذه المفارقة:
موظفة تغادر منزلها مع ساعات الصباح الأولى لتقطع مسافة قصيرة جغرافياً، لكنها طويلة زمنياً بسبب الازدحام وضعف خيارات النقل العام، قبل أن تواجه كلفة حضانة تقتطع جزءاً ملموساً من دخلها الشهري. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بالرغبة في العمل أو الحق فيه، بل بجدوى الاستمرار اقتصادياً.
وهكذا يتحول الانسحاب من سوق العمل — في كثير من الأحيان — إلى قرار عقلاني فرضته بنية المدينة نفسها، لا حدود القانون.

ما بعد المؤشر
ربما يكمن الخطر الأكبر في الاكتفاء المبكر بتحسن التصنيفات الدولية. فالمؤشرات — مهما بلغت دقتها — تظل أدوات قياس، لا غايات بحد ذاتها.
فالنجاح الحقيقي لا يظهر في التقارير المؤسسية، بل في التحولات غير المرئية:
مشروع يستمر،
فرصة عمل تُقيَّم دون تحيز،
قرار اقتصادي يُتخذ دون تردد أو استثناء.
هناك فقط تتحول الأرقام إلى واقع معيش.

خاتمة
يقف الأردن اليوم في منتصف طريق مهم.
لقد تحقق الاعتراف القانوني، لكن المهمة الأصعب ما تزال قائمة: تحويل هذا الاعتراف إلى قوة اقتصادية منتجة.
فالاقتصادات لا تنهض بالتشريع وحده،
كما أن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلانها.
ويبقى السؤال الأهم للمرحلة القادمة ليس عدد النقاط التي أضيفت إلى مؤشر دولي، بل:
هل تقلّص الزمن اللازم للوصول إلى الفرصة في حياة المرأة الأردنية فعلاً؟
حين تصبح الإجابة نعم، لن يحتاج التقدم إلى إعلان…
لأن المجتمع سيكون قد عاشه بالفعل.
التمكين الحقيقي لا يبدأ حين يتغير القانون، بل حين تتغير كلفة المشاركة نفسها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :