من تقهقر "النيوليبرالية" إلى نموذج أردني متوازن
فيصل تايه
25-02-2026 01:19 PM
بعد أن أُتيح لي الاطلاع على الورقة البحثية التي أعدها دولة الدكتور عمر الرزاز والدكتور حازم الرحاحلة، والمعنونة "تقهقر النيوليبرالية: الدروس والسياسات المستخلصة"، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة بتاريخ ٢٣ شباط/فبراير ٢٠٢٦، وجدت نفسي أمام تجربة معرفية لافتة، لا تكتفي بنقد نهج اقتصادي بعينه، بل تفتح نقاشاً أوسع حول حدود السوق، ووظيفة الدولة، وإمكانات بناء نموذج تنموي أكثر توازناً وعدالة.
الورقة تنطلق من تفكيك معمق للنيوليبرالية بوصفها نهجا يقوم على تقليص دور الدولة وترك إدارة الموارد والخدمات لقوى السوق، وهو نهج ساد عالمياً منذ ثمانينيات القرن الماضي ، غير أن أهمية الورقة لا تكمن في استعراض تاريخي لهذا المسار فحسب، بل في تحليلها الدقيق لتراكم الاختلالات البنيوية التي رافقته، من اتساع فجوات الدخل، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعاظم الاحتكارات، وصولاً إلى هشاشة الاقتصادات أمام الصدمات المالية والصحية والجيوسياسية.
منذ الصفحات الأولى، يتّضح الطابع الجريء للتحليل ، إذ لا يقدَّم نقد النيوليبرالية بوصفه موقفاً أيديولوجياً، بل قراءة واقعية لنتائج ملموسة باتت واضحة في معظم الاقتصادات، بما فيها الاقتصادات المتقدمة ، فانسحاب الدولة من أدوارها التنظيمية والخدمية لم يؤد بالضرورة إلى كفاءة أعلى أو نمو أكثر شمولاً، بل أسهم في تركيز الثروة، وإضعاف أدوات الحماية الاجتماعية، وتقليص قدرة الحكومات على التدخل عند الأزمات.
وتذهب الورقة إلى طرح نموذج بديل أكثر توازناً ، يقوم على شراكة مدروسة بين الدولة والسوق، حيث تكون الدولة منسقاً وموجهاً استراتيجياً، لا متحكماً مطلقاً ولا مراقباً سلبياً ، نموذج تُسخر فيه أدوات السياسة العامة لدعم النمو الصناعي، والاستثمار في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتنظيم الأسواق للحد من الاحتكار، مع تصميم برامج اجتماعية دقيقة تستهدف الفئات الأكثر هشاشة ، وفي هذا الإطار، لا تُصور الدولة كعائق أمام السوق، بل كضامن لعدالة النمو واستدامته.
وعند إسقاط هذه الرؤية على الواقع الأردني، تتضح أهميتها العملية ، فالاقتصاد الأردني يواجه تحديات بنيوية حقيقية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، والاعتماد الكبير على الواردات، إلى جانب الضغوط المزمنة على المالية العامة ، فهذه التحديات تجعل من إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والسوق ضرورة شريطة أن تتم وفق مقاربة واقعية تأخذ في الحسبان القيود المالية والمؤسسية.
اللافت في الورقة أنها لا تكتفي بالتنظير، بل تقدم مقارنات دولية كاشفة ، فالتجربة الألمانية بعد الأزمة المالية العالمية أظهرت كيف يمكن للتدخل الحكومي المنظّم، حين يقترن بقوة السوق، أن يعزز المرونة الاقتصادية ، كما تبرز تجربة كوريا الجنوبية أهمية الاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد في التكنولوجيا والبنية التحتية لبناء اقتصاد تنافسي عالمي ، في المقابل، تكشف بعض تجارب دول أمريكا اللاتينية مخاطر غياب التنظيم المؤسسي، حيث قادت السياسات غير المتوازنة إلى تضخم مالي، واحتكارات، وفشل برامج اجتماعية.
هذه المقارنات تؤكد أن أي محاولة لتطبيق نموذج بديل في الأردن لا يمكن أن تكون نسخة مستوردة، بل يجب أن تراعي الخصوصية الوطنية، وبنية الاقتصاد، وقدرات الدولة التنفيذية.
ورغم قوة التحليل ووضوح الرؤية، تبقى هناك تحديات في الانتقال من الإطار الفكري إلى التطبيق العملي ، فالورقة لا تقدم خارطة طريق تنفيذية مفصلة، ولا تحدد مؤشرات أداء قابلة للقياس، ما يجعل نجاح أي تطبيق مرهوناً بإرادة سياسية واضحة، ومؤسسات كفؤة، وقدرة على إدارة الموارد والمخاطر بحذر.
من الزاوية الاجتماعية والسياسية، تذكرنا الورقة بأن النمو الاقتصادي لا يكون مستداماً إذا تجاهل العدالة الاجتماعية ، فإغفال قضايا الشباب والطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة قد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية تقوّض أي إنجاز اقتصادي ، لذلك، لا بد أن ترافق السياسات الاقتصادية برامج اجتماعية مدروسة تضمن الاستقرار وتعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وانطلاقًا من هذا التحليل، يمكن استخلاص جملة من التوصيات العملية للسياق الأردني، أبرزها: وضع خارطة طريق واضحة بإطار زمني ومؤشرات أداء محددة، تعزيز القدرات المؤسسية للدولة لضمان حسن التنفيذ، تصميم برامج اجتماعية موجهة بدقة، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة مع تكييفها محلياً، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال.
ومن وجهة نظري، فإن التحدي الحقيقي في الأردن لا يكمن في تبني هذه الأفكار نظرياً ، بل في القدرة المؤسسية على ترجمتها إلى سياسات فعالة لا تتحول إلى عبء مالي إضافي أو توسع بيروقراطي غير منتج ، فالتجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن غياب الحوكمة الرشيدة والشفافية قد يجعل التدخل الحكومي جزءاً من المشكلة لا الحل.
أخيراً، لا ينبغي التعامل مع هذه الورقة بوصفها وصفة جاهزة أو موقفاً فكرياً مغلقاً، بل إطاراً تحليلياً متقدماً يفتح نقاشاً ضرورياً حول مستقبل الدور الاقتصادي للدولة في ظل تحولات عالمية عميقة ، فقيمتها الحقيقية لا تكمن فقط في نقد النيوليبرالية، بل في طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تحقيق نمو اقتصادي متوازن دون التفريط بالعدالة الاجتماعية أو الاستقرار المجتمعي.
ومن هنا، فإن أي استفادة جادة من مضامين هذه الورقة في السياق الأردني تتطلب قراءة واعية، تميز بين ما هو قابل للتكييف وما يحتاج إلى إعادة صياغة، وتربط الطموح الاقتصادي بالقدرة المؤسسية والواقع المالي والاجتماعي للدولة ، فالنجاح لا يقاس بمدى تبني الأفكار، بل بمدى تحويلها إلى سياسات مدروسة، متدرجة، وقابلة للتنفيذ، تضع مصلحة الدولة واستقرارها في صدارة الأولويات.
والله الموفّق..