facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتكلم الألوان والزخارف .. بين ثراء الحضارات وذاكرة الشعوب (1-2)


سارة طالب السهيل
26-02-2026 01:30 AM

اللون ليس مجرد صبغة على القماش أو حجر كريم يلمع في المجوهرات، بل هو حكاية مرئية، ووشم الحضارة على جسد الزمن. حتى الزخارف ليست تفاصيل عشوائية، بل لغة صامتة تحكي عن القوة والموارد والخيال والجمال. فحين تتأمل لوحة ألوان حضارة قديمة، ترى أكثر من مجرد جمال؛ ترى إيقاع الأرض، وموسيقى التاريخ، ونبرة السلطة، ونبض ذاكرة الشعوب. كل نقش في طوب بابل، كل حلية ذهبية في مصر القديمة، كل فسيفساء في الأندلس، ليس مجرد زخرفة، بل إثبات وجود إنساني واجتماعي وفلسفي.

في هذا المقال، سأناقش معكم الحضارات من خلال ألوانها وزخارفها، لنكشف كيف تتحول الثروة المادية والمعرفة والتاريخ إلى ذوق عام ووعي بصري متراكم، وكيف تظل المرأة، بذكائها وذاكرتها، الحافظة لهذه اللغة عبر القرون. هذه رحلة بين الوفرة والندرة، بين الامتلاء والاقتصاد في الشكل، بين القوة والوعي، لنرى كيف يصبح الذوق العام سجلًا حيًا للحياة نفسها، وللرغبة البشرية في ترك أثر خالد.

في العصور القديمة، اللون لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل كان اقتصادًا وسياسة. الأرجوان الصوري، المستخرج من آلاف الرخويات البحرية، كان أغلى من الذهب.

قوانين الترف في روما مثلًا منعت العامة من ارتداء الأرجوان، ليصبح اللون نفسه سياسيًا طبقيًا. المجتمع كله تعلم أن اللون يساوي رتبة، وأن ارتداء لون معين هو إعلان طبقي.

لو فكرنا لماذا تبدو الملابس الرومانية "فخمة" في عقلنا الباطن والظاهر؟ لأنها ليست "ألوانًا كثيرة فقط"، بل لأن اللون نفسه مُشفَّر اجتماعيًا ممنوع على عامة الناس ومخصص لكبار الشخصيات؛ مما يترك الأثر في الذوق العام، فحين تعلم الناس أن لونًا معيّنًا يساوي رتبة أو مكانة معينة، يبدأ المجتمع كله برؤية اللون كـ"قيمة" وليس كـ"زينة" فقط.

في مصر القديمة، ابتكروا "الأزرق المصري"، أحد أقدم الأصباغ الصناعية في التاريخ. لم يكن مجرد لون، بل ثمرة معرفة كيميائية وصناعية متقدمة. التقنية هنا لم تتبع الذوق، بل صنعت الذوق، وحولت الأزرق إلى جزء من الهوية الحضارية المصرية. فالابتكار يسبق الذوق أحيانًا، ويمنحه أدوات جديدة، ويدخل في صناعة الجمال.

التجارة لم تنقل السلع فقط، بل نقلت الإمكانيات البصرية، وكلما اتسعت الشبكات التجارية، اتسعت لوحة الألوان.

البلاط والمعابد والقصور لم تكن أماكن سلطة فقط، بل مصانع للذوق.

قوانين اللباس فرضت ألوانًا على طبقات معينة، والهدايا والاحتفالات نقلت الذوق من النخبة إلى العامة. الذوق الرسمي هنا ليس مجرد موضة، بل هوية بصرية للمجتمع كله، تفرضها السلطة وتعيد إنتاجها عبر الطقوس.

في العراق، من سومر إلى بغداد العباسية، نرى هذه الديناميكية تتجسد بوضوح.

سومر حملت الأختام الأسطوانية بنقوشها الدقيقة لحيوانات وأساطير، محفورة في حجر اللازورد والعقيق، لتكون وثائق بصرية للسلطة والذاكرة. في أكد، فرض سرجون الأكادي لغة بصرية جديدة، حيث النقوش أظهرت الملوك بتيجان مزخرفة وألوان قوية، إعلانًا عن القوة والهيبة. وفي بابل، كانت بوابة عشتار المصنوعة من الطوب المزجج بالأزرق العميق والذهبي إعلانًا عن عظمة المدينة، واللون الأزرق رمزًا للسماء والقداسة.

آشور بدورها صنعت النقوش الجدارية الضخمة في قصور نينوى وخورسباد، فصارت كتابًا بصريًا، إعلانًا عن القوة العسكرية والسيطرة.

أما بغداد العباسية، فقد مزجت العمارة الإسلامية فيها بين إرث الرافدين والروح الإسلامية: زخارف هندسية ونباتية، ألوان في القاشاني والخزف، وخط عربي صار هو نفسه زخرفة بصرية. بغداد لم تكن غنية بالذهب فقط، بل بالمعرفة، فصارت الزخرفة إعلانًا عن حضارة علمية وروحية.

الذهب في كل هذه الحضارات لم يكن مجرد زينة، بل صوتًا صامتًا يعلن عن صاحبه أمام الناس. حين كانت الملكة في العراق القديم ترتدي تاجًا من ذهب مرصع باللازورد والعقيق، كانت تقول: أنا أملك، أنا أسيطر.

في مصر، ارتبط الذهب بالآلهة والخلود. في اليمن، كان الذهب إعلانًا عن الانتماء إلى شبكة التجارة الكبرى.

وفي روما وفرنسا، كان الذهب في الملابس والقصور إعلانًا عن التفوق الاجتماعي والسياسي.

الذهب إذن لغة بصرية يفهمها الجميع بلا شرح: أنا هنا، أنا مختلف، أنا أملك ما لا تملكون.

اليمن القديم، أرض اللبان والبخور، كان عقدة وصل بين حضارات الهند والبحر المتوسط وأفريقيا. هذه التجارة لم تنقل الروائح فقط، بل نقلت معها الذهب والأقمشة والأحجار الكريمة. العمارة اليمنية بزخارفها الهندسية والأزياء التقليدية المزخرفة تحمل أثر هذا الغنى التجاري. المرأة اليمنية، في حليها وأزيائها، ما زالت مرآة لذاكرة طرق التجارة القديمة... يتبع في الجزء الثاني

الرأي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :