facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وهم التأثير في وسائل التواصل الاجتماعي


حسان سلطان المجالي
26-02-2026 01:13 PM

في البداية اسمحوا لي أن أطيل قليلاً لأن موضوع العنوان يلامس الكثيرين منا وأقول : في كل مرة يفتح فيها المستخدم إحدى منصات التواصل الاجتماعي ، يواجه ذلك السؤال البسيط الذي يبدو بريئاً وهو :
What’s on your mind? .
ماذا يدور في ذهنك ؟

ومثل هذا السؤال حتى لو ارتبط بفضاءات رقمية ، لكنه في جوهره يعكس فلسفة كاملة تقوم على تحويل الأفكار والمشاعر والمواقف إلى محتوى سريع التداول والاستهلاك ....

غير أن هذه المساحة الواسعة للتعبير تخفي وراءها مفارقة عميقة يمكن وصفها بانها (وهم التأثير) ، فهي ظاهرياً تُشعر المستخدم بأنه يخاطب جمهوراً واسعاً ، و بأن رأيه قد يصل إلى آلاف المتابعين وربما يتجاوزهم ، غير أن الواقع الرقمي هنا تحكمه معادلة مختلفة ،، فزخم المحتوى وسرعة تدفقه يجعلان كثيراً مما يُكتب ما هو إلا مجرد حضور عابر لا يلبث أن يختفي في ذاكرة المنصة خلال ساعات ، ليصبح أثراً رقمياً بلا امتداد فعلي في المجال العام .....

لذلك أعتقد هنا بأن المشكلة لا تكمن في حرية التعبير بحد ذاتها ، بل في الاعتقاد بأن النشر وحده يمكن أن يمثل فعلاً مؤثراً ، فغالبية الآراء خصوصاً السياسية والاقتصادية والاجتماعية تبقى داخل ما يشبه غرف الصدى الرقمية ، حيث يتفاعل معها أشخاص متقاربون في الموقف ، بينما لا تصل فعلياً إلى (دوائر القرار) أو إلى جمهور مختلف يمكن أن يخلق نقاشاً حقيقياً ، وهكذا يتحول التفاعل إلى مجرد إعجابات وتعليقات تمنح شعوراً مؤقتاً بالإنجاز ولكن دون أي أثر ملموس.

من جهة أخرى ، يؤدي هذا الفضاء وظيفة نفسية واضحة ، فهو مساحة (للتنفيس وتفريغ الاحتقان) أكثر منه مساحة للتغيير ، حيث يكتب الأفراد لأن الكتابة تمنح شعور المشاركة والوجود ، وليس لأنهم يملكون بالضرورة أدوات تحويل الرأي إلى فعل ،، ومع تكرار هذه العملية يتعزز الإحساس بأن التعبير قد أُنجز ، بينما تبقى القضايا ذاتها دون أي تغيير يذكر .

وهنا تبرز مفارقة أخرى تتعلق بانتقائية الإصغاء ، إذ إن كثيراً من الآراء لا تحظى باهتمام فعلي من الجهات المعنية إلا عندما تتجاوز حدود المقبول قانونياً ، أو تتحول إلى جدل واسع يصعب تجاهله ، وعند هذه النقطة فقط تنتقل الكلمات من حالة الإهمال إلى حالة الملاحظة ، لا بوصفها رأياً يستحق النقاش ، ولكن باعتبارها مسألة تستدعي المتابعة أو المساءلة القانونية ..

ومع ذلك ، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل قد تشكل شرارة أولى للتأثير ، لكنها نادراً ما تكون كافية بذاتها ، فالتأثير الحقيقي يتطلب انتقال الفكرة من فضاء النشر الفردي إلى فضاء النقاش العام المنظم ، سواء عبر الإعلام التقليدي أو المؤسسات المدنية أو المبادرات المجتمعية القادرة على تحويل الرأي إلى مسار تراكمي .

إن اختزال الفعل العام في منشور رقمي يمثل أحد أخطر أشكال الوهم السياسي والاجتماعي المعاصر ، لأنه يمنح شعوراً زائفاً بالمشاركة قد يضعف الدافع نحو أشكال أكثر فاعلية من العمل العام ، فالكلمات المعلّقة على الجدران الإلكترونية مهما حظيت بالتفاعل تبقى محدودة الأثر ما لم تجد سياقاً أوسع يحملها ويمنحها الاستمرارية ..

وفي النهاية ، ليست وسائل التواصل عديمة القيمة ، لكنها أيضاً ليست بديلاً عن الفضاء العام الحقيقي ،، فهي أداة يمكن أن تفتح باب الفكرة ، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة التغيير ،، وبين وهم التأثير وحقيقة الفعل تبقى المسؤولية في إدراك أن التعبير بداية الطريق لا نهايته ، و بأن الصوت الرقمي لا يصبح قوة مؤثرة إلا عندما يجد ما يتجاوز الشاشة إلى الواقع .

والله المستعان ومن وراء القصد .

حسان سلطان المجالي/ مستشار قانوني.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :