معركة الخبر .. ومَن يخسرها أولا؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
26-02-2026 04:02 PM
في كل أزمة.. لا تدور المعركة حول القرار.. بل حول القصة التي ستُحكى عنه.. مَن يسبق إلى روايتها.. ومَن يُحكِم نهايتها..
بعض مَن يسمون أنفسهم معارضين.. يظنون أن المعارضة تعني التقاط أي خطأ.. أو تضخيم أي رقم.. أو نشر أي تسريب يصلهم.. فيندفعون كأنهم أمسكوا دليلا قاطعا.. بينما قد يكون ما بأيديهم مجرد طُعم..
يتلقفون الأخبار دون تمحيص.. يخلطون بين المعلومة والشائعة.. وبين الظن والحقيقة.. فإذا بُني النقد على عجل.. يكفي بيان رسمي واحد.. بورقة.. أو رقم واضح.. أو تقرير علمي.. ليسقط كل شيء دفعة واحدة..
لا لأن المؤسسة الرسمية دائما على حق.. بل لأن خصمها لم يُحسن ترتيب حجته..
وفي بعض الأحيان.. قد تُترك أمامهم أخبار صحيحة.. لكنها هامشية وغير مهمة.. وبينها خبر واحد قوي ولافت.. لكنه غير دقيق.. ينتظر مَن ينشره.. وما إن يفعل.. حتى يأتي التكذيب الرسمي وبالدليل.. فيُضرب الخبر.. ويُضرب معه صاحبه.. ويخرج الناس بانطباع واحد.. أن هذا الصوت لا يُوثق به..
كم سمعنا عن أرقام خيالية لرواتب وبدلات.. ثم يظهر النفي.. فنكتشف أن الأرقام كبيرة فعلا.. لكنها ليست كما قيل.. فعندما نتبين بأن راتب المسؤول 7 آلاف دينار.. وليس 15 ألفا كما تمت إشاعته.. نتنفس الصعداء.. وننسى وجع الـ 7 آلاف.. فتضيع القضية بين مبالغة أحرجت صاحبها.. وبيان أنقذ المشهد الرسمي وأبقى الراتب كما هو..
وكم سمعنا عن مسؤول رفيع قيل إنه كان في مكان يرفضه المواطنون.. ومع أشخاص يمقتهم الشارع.. ثم يظهر الدليل.. أنه -على سبيل المثال- كان يُجري عملية في المستشفى في التوقيت ذاته.. فيسقط الاتهام دفعة واحدة.. ويُغلق الملف سريعا.. بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقا في الظل.. بلا متابعة.. ولا تمحيص.. هل يمكن أنه التقاهم في المستشفى؟!..
المشكلة ليست في النقد.. بل في ضعفه حين لا يقوم على دليل.. لأن سقوط خبر واحد.. قد يسقط معه كل ما قيل قبله وبعده..
وهنا تفوز الرواية الرسمية.. لا لأنها كاملة دائما.. بل لأنها بدت أكثر تماسكا ودقة..
فنشر خبر غير متحقق.. أو تضخيم معلومة لإشعال الشارع.. قد يخدم مَن ننتقدهم.. أكثر مما يضرهم.. لأن لحظة التكذيب تمنحهم صورة العقلانية.. وتسحب من غيرهم رصيد المصداقية..
فالمعارضة السليمة.. ليست إعادة إرسال.. ولا سباقا على مَن ينشر أولا.. بل مسؤولية.. وصبر.. وبحث عن الحقيقة أيا كانت نتيجتها..
ففي معركة السرد.. لا يكفي أن تكون غاضبا.. يجب أن تكون دقيقا..
لأن خطأ صغيرا.. قد يمنح خصمك انتصارا كبيرا.. فالمصداقية تُبنى ببطء.. لكنها تُهدم بخبر واحد..