حكومتنا .. متى سيغار الغاز من الماء؟!
محمود الدباس - أبو الليث
27-02-2026 12:06 PM
حين ضاقت بنا أنابيب السياسة قبل أنابيب الغاز.. واشتعل الشارع غضباً من اتفاقيات لم تكن سهلة على القلب.. ولا على الذاكرة.. قيل لنا يومها.. إن الحسابات اقتصادية بحتة.. وإن الدولة تختار بين مرّين.. مرّ السعر الأعلى.. ومرّ الغضب الشعبي.. فاختارت ما يحمي جيب الفقير من قفزة كبيرة في سعر الأسطوانة.. وبقي الجرح مفتوحاً.. ينتظر خبراً يداويه..
واليوم.. ونحن نقرأ عن قرب الغلق المالي لمشروع الناقل الوطني للمياه.. وعن 300 مليون متر مكعب سنوياً.. ستروي عطش المملكة لعقود قادمة.. نشعر أن شيئاً ما يتغير في عمق المعادلة.. ليس الماء وحده مَن سيتدفق.. بل شيء من الكرامة الاقتصادية أيضاً.. وشيء من الاستقلال المائي الذي طال انتظاره..
50 مليون متر مكعب كنا نشتريها كل عام.. لم تكن رقماً في دفاتر الاتفاقيات وحسب.. بل في وجدان الناس كانت أثقل من الرقم.. كانت سؤالاً عن البديل.. وعن الإرادة.. وعن اليوم الذي نقف فيه على أقدامنا.. دون أن نستند إلى أنبوب يأتي من خلف الحدود.. واليوم يبدو أن هذا اليوم يقترب.. وأن التخطيط لم يكن وليد اللحظة.. بل بدأ قبل انتهاء الاتفاقية.. وكأن في الأمر رسالة تقول.. إن الدولة تفكر بخطوتين إلى الأمام.. لا بخطوة واحدة..
فهل سيغار الغاز من الماء؟!.. هل ستسمع حقولنا الصامتة في باطن الأرض.. وقع المضخات القادمة من العقبة.. فتقول كلمتها هي الأخرى؟!.. ألسنا أولى بثرواتنا.. وأقدر على استثمارها إن أحسنا الإدارة.. وأغلقنا أبواب الفساد.. وفتحنا نوافذ الشفافية على مصاريعها؟!..
لسنا حالمين بمعجزات.. نحن فقط نريد إرادة تستثمر كل حبة رمل.. وكل قطرة ماء.. وكل متر مكعب من غاز.. نريد قرارات سيادية مدروسة.. لا تقف عند حدود الضرورة.. بل تتجاوزها إلى فضاء الاكتفاء.. ثم إلى فضاء التصدير إن أمكن..
نعم.. أقولها من القلب.. وللمرة الاولى.. شكراً حكوماتنا حين يكون الشكر مستحقاً.. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بالإسمنت والأنابيب وحدها.. بل بما تردمه من فجوات ثقة بين المواطن والحكومة.. وكل خطوة نحو مصلحة المواطن.. وتثبيت الاستقلال.. هي خطوة نحو استعادة تلك الثقة التي اتسعت.. حتى ظن البعض أنها لا تُجسر..
امضوا أكثر.. فالشعب الذي صبر طويلاً.. سيفرح طويلاً إذا رأى أفعالاً تسبق الأقوال.. وسيقف خلف كل قرار نظيف.. يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.. وعندها فقط.. لن يغار الغاز من الماء.. بل سيتسابقان معاً لخدمة الأردن.. ويصبح الدوار الرابع عنوان طمأنينة.. لا عنوان ترقب.. وتصبح الدولة أكبر في عيون أبنائها.. كما هي كبيرة في قلوبهم..