داعش لم تنتهِ .. بل تغيّر موقعها في لعبة القوة الإقليمية
د. عماد الحمادين
27-02-2026 01:20 PM
منذ ان شنت القاعدة هجماتها على الولايات المتحدة في ايلول/سبتمبر 2001 وماتبعها من تحالف الحرب على الارهاب بقيادة الولايات المتحدة، دخلت واشنطن مرحلة "أمننة التهديد الأرهابي" حسب مدرسة كوبنهاجن للأمن . حيث جرى تقديم الإرهاب كتهديد وجودي يبرر إجراءات استثنائية خارج الإطار التقليدي للسياسة. تمثلت هذه الفوبيا في تجنيد وتمويل حلفاؤها لشن حرب عالمية ضد الارهاب.
رافق هذه الاجراءات تغيرا في اولويات الامن الوطني من الحرب التقليدية ضد جيوش نظامية الى الحروب غير التقليدية ضد تنظيمات عابرة للحدود. التهديد الابرز في السنوات الاخيرة هو تنظيم الدولة الأسلامية في العراق والشام الذي خسر اراضي كبيرة كان يسيطر عليها. الا ان اهميته لم تنتهي في الحسابات الاقليمية والدولية، بل ان قراءة في مسيرة هذا التنظيم يثبت ان اهمية داعش ليست بالاراضي التي يسيطر عليها بل تقاس بالدور الذي يمكن ان يلعبه في بيئة جيوسياسية مضطربة تبحث فيها الدول الكبرى والاقليمية عن ادارة الصراع لا انهاؤ بالكامل. لكن يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام عودة تنظيم، أم أمام إعادة تموضع لوظيفة جديدة.
المحاولات الامريكية لتخفيف اعباء الحرب على الارهاب
حاولت الادارات الامريكية المتعاقبة الانسحاب من مناطق عمليات الحركات المسلحة في العراق وسوريا، حيث تبنى الرئيس اوباما هذه المقاربة خلال عام 2011. تم العمل على تخفيف تواجد القوات الامريكية في المنطقة نظرا للتكلفة الكبيرة المادية التي تتكلفها دون وجود نتائج ملموسة على الارض. لكن هذه المقاربة كانت تفشل بسبب عدم وجود شريك محلي يمكن الاعتماد علية. وعندما تم سحب معظم القوات الامريكية في بداية 2011 ادى ذلك لوجود فراغ امني حيث ظهر تنظيم الدولةعام 2014 وسيطر بشكل كاسح على مساحات واسعة من العراق وسوريا واضطر اوباما الى اعادة القوات الامريكية التي كان قد سحب جزء كبيرا منها الى المنطقة لمجابهة االتهديد الاقليمي الاكبر في الشرق الاوسط من خلال التحالف الدولي.
وبالرغم من ان داعش خسر معاركة الارضية 2016-2017 الا انه كفكر مازال حاضرا وبقوة ، ويظهر ذلك الحضور في عمليات متفرقة في بلاد الشام والعراق، وله تمدد واضح و كبير في افريقيا ودول الساحل والصحراء. انحسرت داعش وخسرت معظم الاراضي التي سيطرت عليها واصبحت قوة صغيرة موجودة في عمق الصحراء السورية، ولكنها لم تنته بشكل كامل لأسباب قد تتعلق بتوظيفها يشكل استراتيجي في مرحلة لاحقة. لذلك لم تكن واشنطن تقدم على الانسحاب بشكل نهائي من العراق وسوريا خوفا من عودة تنظيم الدولة.
داعش ورقة قسد في المعادلة السورية
في فترة 2015 دعمت واشنطن قوات سوريا الديموقراطية (قسد) بالاستناد الى نموذج “مكافحة الإرهاب بالوكالة”، حيث يجري تفويض فاعلين محليين بإدارة التهديد مقابل دعم سياسي وعسكري. وكانت مهمتها الاساسية محاربة داعش وادارة مناطق احتجاز افراد التظيم بالنيابة عن التحالف الدولي الذي غض الطرف عن الممارسة العنيفة التي تقوم بها قسد ضد المدنيين السوريين.
ومن الناحية الاخرى شكّل وجود داعش إطاراً وظيفياً لقسد، حيث جرى توظيف التهديد لتعزيز الشرعية الدولية وتدفق الدعم العسكري وسمح لها بالسيطرة على مناطق واسعة من سوريا تتجاوز المنطقة الكردية بشكل كبير. لكن الملاحظ ان الاعتماد على شركاء من الفواعل دون الدولة لم يكن دائما ناجحا من الناحية الاستراتيجية بل فقط يمكن القول ان الناحية التكتيكية التي تتعلق بمكافحة الارهاب بالعمليات العسكرية وإدارة الصراع فقط دون حلة هي السمة الغالبة في تلك المرحلة. حتى في العراق التي تعتبر دولة لم تكن مكافحة الارهاب ناجحة بصورة كاملة وذلك بسبب تداخل عمل الدولة ككيان سياسيى مع عمل مكونات داخل الدولة تعمل بايعاز خارجي كلف العراق خسلئر كبيرة وضعف في التنمية وفي الحضور الدولي.
مابعد سقوط النظام السوري: إعادة تموضع داعش
خلال الحرب السورية لم تكن داعش تقاتل النظام بشكل مستمر كبقية فصائل المقاومة السورية واكتفت بقتال فصائل المقاومة ومحاولة أعادة تموضع جديد لها في البادية السورية. وبعد سقوط نظام الاسد وانفراط عقد محور الممانعة ، ظهرت داعش من جديد بعمليات نوعية ومن بينها هجوم تدمر الذي ادى الى مقتل ثلاثة امريكيين ، وظهرت لها فيديوهات جديدة تطالب بقتال الدولة السورية وتهديد الرئيس السوري بشكل خاص ، وتتهمة بالخيانة والعمالة للغرب.
هذه الاحداث زادت القناعة لدى الادارة الامريكية بان حركة داعش لا يمكن هزيمتها بسهولة، وذلك سرع في عملية اخلاء القواعد الامريكية لتخفيف اي ضرر محتمل من انتشار جديد للتنظيم.اكدت "فورين بوليسي" الأمريكية، نقلا عن مسؤولين أمريكيين حديثهم عن قرار بالانسحاب من سوريا، إذ ترى واشنطن وجودها في سوريا لم يعد ضروريا، مؤكدة أن مناقشات مكثفة تدور حاليا لبحث توقيت وكيفية سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا. بعد اندحار قسد واستلام الحكومة السورية الملف الداعشي، اصبحت الادارة الامريكية الجديدة اكثر اعتمادا وثقة بالرئيس السوري وقدرته على محاربة داعش في البادية السورية.
وقد وجدت في الدولة السورية شريك محلي يمكن الاعتماد عليه فيي مكافحة الارهاب دون ان يكون لها وجود في سوريا وهو ما يتوافق مع الاستراتيجية الامنيه التي اعلنت في نهاية عام 2025 والمتعلقة باعطاء اهمية اقل للشرق الاوسط واكبر لمناطق اخرى من العالم.
توظيف التهديد من قبل السوريين وادارة عدم الاستقرار
من منظور برغماتي فان الصعود في عمليات تنظيم الدولة قد يجلب منافع للدولة السورية الجديدة اذا ما احسنت الدولة السورية توظيف التهديد كأداة لأعادة انتاج الشرعية. احيانا ليس من المحمود انهاء الفوضى بل ادارتها وهو مايسمى بادارة عدم الاستقرار. فهو يعزز من شراكتها المتزايدة مع واشنطن من الناحية الامنية والسياسية ويزيد من اهمية دمشق في الاقليم كشريك يمكن الاعتماد علية في مكافحة الارهاب. لكن السؤال الذي قد يبدل الحظ الجيد الى سيء بالنسبة للحكومة السورية الجديدة هو ما المدى الفعلي الذي تستطيع داعش النسخة الجديدة من تنفيذ عمليات نوعية داخل الارضي السورية وتهدد الاستقرار في سوريا ؟ .
عوامل الحسم: بين الاحتواء المدروس والفوضى
هناك عدة عوامل تساعد السوريين على السيطرة على الانتشار الداعشي وهناك عوامل تسحب بالاتجاة العكسي ، وقد تؤدي الى الفوضى وفقدان الدعم الغربي والعربي. عوامل المساعدة 1) القوات السورية الجديدة لديها خبرة قتالية جيدة في محاربة التنظيم فهذه ليست المرة الاولى التي تتواجة بها القوات السورية مع داعش. حيث ان تنظيم هيئة تحرير الشام العمود الفقري للجيس السوري الحالي تواجهت مرات عديدة مع داعش ولديهم معرفة بالاساليب القتالية للتنظيم واستخبارات متطورة. 2) في محاربة داعش لن يكون السوريون وحدهم، فدول الاقليم تتوجس خيفة من عودة داعش لذلك تتلقى دمشق دعم من الاردن وتركيا والسعودية وقطر . 3) المصلحة الامريكية تقتضي وجود شريك محلي قادر على ضبط البادية السورية.
اما العوامل المعاكسة التي قد تجعل التنظيم مشكلة للسوريين فهي:
1) الدعم الذي قد يكون تلقاه من الخارج لإرباك المشهد السوري، فهناك كثير من الدول التي ترى في الحكزمة السورية الجديدة عدو وتهديد لنفوذها في المنطقة حيث يرى بعض المحللين أن ايران واسرائيل وروسيا الى حد ما لهم مصلحة في ضعف الحكومة السورية.
2) كذلك باقي فلول النظام السابق وبعض افراد الطوائف التي ترى سوريا دولة اللون الواحد فقط.
3) هشلشة البيئة الاقتصادية والاجتماعية.
أخيرا، لابد من القول ان تنظيم الدولة غير قابل للإنتهاء بالصورة الصفرية لمعادلة الحروب التقليدية حيث انه فكرة والفكرة بطبيعتها عابرة للحدود والمجتمعات.
التنظيم وفي كل مرة يتم تحجيمه يعود وينتج نفسة بطريقة اخرى. التوازنات الدولية والاقليمية والتغييرات التي تحدث في الاقليم تفرض على التنظيم تغيير التحالفات بما يخدم مصلحة البقاء
. قد يكون لكثير من الفواعل سواءا الدولية او ما دون الدولة مصلحة في بقاء التنظيم ضمن مستويات معينm بحيث يتم استخدامته وادارة التهديد الناشىء عنه دون حله بشكل كامل.