في مديحِ الصِّيام .. في مديحِ الصَّمتِ
أمل المشايخ
27-02-2026 05:10 PM
هذه نسماتُ الشَّهرِ الفضيلِ التي نتفيأُ ظلالَها في هذه الأيامِ المباركاتِ ... رمضانُ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ هدىً للنّاسِ، ذاكَ قبلَ أنْ يأتيَ الأمرُ بالصِّيام .... تنزّلَ القرآنُ؛ ليفرضَ الصَّيامُ بعدَ خمسَ عشرةَ حجةً من البعثةِ، هي سنواتٌ لدربةِ الجسدِ والرّوحِ بعدَ أنْ تتلقّى تعاليمَ السَّماء؛ِ لتسبحَ الرّوحُ في الملكوتِ، ويسيرَ الجسدُ في عمارةِ الأرضِ، بل الكونِ.
" الجوع يغلق منافذ الشَّيطان" ... "ما ملأَ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا منْ بطنه" ...
هلْ يدخلُ الشَّيطانُ من بابِ الشَّبعِ؟ هل الشَّبعُ رديفُ الشَّططِ والانحرافِ عن الجادّةِ حينَ يغرقُ الجسدُ في الملذَّاتِ؛ ليأتيَ الصَّيامُ فيرتقي بالرُّوحِ إلى عالمِ النّور، ويفتحُ كوىً للتّأمُّلِ والتَّفكُّرِ في الأكوانِ؟ ربما .... ليستْ هذه فتوى ولا موعظةً؛ فللفتيا أهلُها، ولكنْ ككلِ التّلاميذِ يحلو لي أنْ أتساءلَ:
هل الصَّومُ هو الصِّيامُ؟ هل كلاهما امتناعٌ عنْ ملذّاتِ الجسدِ؟ كيف واللغة ُلا تقبلُ التَّرادف؟ وإذا كانت المعاني تتبلورُ بنقيضها، فما نقيضُ الصَّومِ أو الصّيام؟
قالوا – في المجملِ – الصَّومُ يكونُ عن الكلامِ، والصِّيامُ عن الطَّعامِ، فهلْ يكفي هذا لتفسير حالةِ الامتناعِ في كليهما؟ لا سيِّما أنَّ البشريَّةَ عرفتْ كلا الرياضتين بتفاصيلَ كثيرةٍ تتعلَّقُ بكلِّ ثقافةٍ منْ ثقافاتِ هذه الشُّعوبِ نجدُها في مظانِّ البحثِ.
عن الكلامِ صامتْ مريمُ عليها السّلام، و من بعدِها صامَ زكريّا عليه السَّلام، و في كلا الحالين كانَ الصَّومُ معجزةً حينَ لا ينفعُ الكلامُ: ".... فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا" (مريم: 26).
"قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ" (آل عمران:41)
لا يكونُ الصَّومُ أو الصِّيام - إذن - إلا امتناعًا عنْ عظيمٍ ممّا تهوى النَّفسُ وتحبُّ، وإلّا فما قيمةُ الامتناعِ؟
ويخطرُ ليَ أيضًا سؤالٌ مشاكسٌ: أيُّهما أشقُّ على النَّفسِ الصِّيامُ عن الطَّعامِ أمْ الصَّومُ عن الكلام؟ أظنُّ أنَّ الإجاباتِ ستختلفُ هنا، ولا أدري كمْ ستكونُ نسبةُ المنحازين إلى كلِّ فكرةٍ... على أنَّني – وللحقِّ أقولُ - لستُ قليلةَ الكلامِ حينَ أجلسُ إلى أصدقائي، ولكنَّني أطيلُ الصَّمتَ في أحايينَ كثيرةٍ، إمّا لأنَّني أحبُّ الاستماعَ إلى محدِّثي، أوْ لأنَّني أجدُ الصَّمتَ أبلغَ من الكلامِ في كثيرٍ من المواقف.
وهنا يخطرُ لي قولٌ منسوبٌ إلى حكيمِ الحكماءِ لقمانَ وهو يعظُ ابنَه: " يا بنيّ، إذا افتخرَ النّاسُ بحسنِ كلامِهم فافتخرْ أنتَ بحسنِ صمتِك" وآخرُ منسوبٌ إلى وهيبِ بن الورد:
"إنَّ الحكمةَ عشرةُ أجزاءٍ: تسعةٌ منها في الصَّمتِ والعاشرُ في العزلةِ عن النّاس."
ولا أدري أيُّ تجاربِ الحياةِ تلك التي أملتْ على هذا الحكيمِ ما قال، ولا ندري كمْ من الدَّهشةِ، وكمْ من الألمِ تحملُ تجربتُه حينَ لمْ يرَ في صحبةِ النّاسِ والجلوسِ إليهم أيَّ فضلٍ أو فضيلةٍ.
ولستُ أدري أين قرأت أيضًا: " في كلا الحبِّ والعبادة تركعُ النَّفسُ أمامَ معبودٍ لا تدركُه ولا تلمُّ به، وفي كليهما تهجعُ النَّفسُ وتخشعُ الرّوحُ، وفي كليهما يكونُ السُّكوتُ أبلغَ من النُّطق".
هلْ حقًا " إذا كانَ الكلام منْ فضَّةٍ فالسكوتُ منْ ذهب"؟ ألأنَّ الصَّمتَ لا يجرُّ من المآسي ما يجرُّ الكلام؟! ربَّما ..
على أنَّ كلمةَ الحقِّ في مكانِها وزمانِها لا تقدَّرُ بفضةٍ ولا ذهبٍ كما أشارَ أعلاه ذاكَ المثلُ السّائرُ...