احتكار المعرفة وأثره على إدارة الأزمات في الاقتصاد الرقمي
لانا ارناؤوط
28-02-2026 11:54 PM
أصبحت الازمات اليوم متشابكة مع البنية الرقمية التي تحكم الاقتصاد العالمي فمع صعود ما يُعرف بـ"الرأسمالية المنصاتية" – كما ناقشها كل من Alain Marciano وAntonio Nicita وGiovanni Battista Ramello في دراستهم المنشورة في European Journal of Law and Economics – تحولت البيانات الضخمة إلى المورد الأكثر حساسية في إدارة المخاطر، وصار التحكم في تدفق المعلومات عاملًا حاسمًا في الاستجابة للأزمات أو تعقيدها.
لقد بشّرت الثورة الرقمية بانخفاض تكاليف الوصول إلى المعلومات، وتقليص فجوات عدم التماثل المعرفي بين الأطراف المختلفة في السوق نظريًا، هذا يعني بيئة أكثر كفاءة، ومعاملات أسرع، وقدرة أعلى على التنبؤ بالمخاطر لكن المفارقة التي يكشفها اقتصاد المنصات هي أن هذه الكفاءة نفسها أنتجت تركّزًا غير مسبوق في القوة، حيث أصبحت قلة من المنصات العالمية تتحكم في كميات هائلة من البيانات، وتحتكر أدوات تحليلها عبر الخوارزميات.
وهنا يبدأ الارتباط العميق بإدارة الأزمات.
في النماذج التقليدية لإدارة الأزمات، تعتمد الحكومات والمؤسسات على المعلومات المفتوحة، والتقارير الميدانية، والتدفقات الإعلامية العامة. أما في الاقتصاد الرقمي، فقد أصبحت البيانات – المتعلقة بالسلوك، والاهتمامات، والاتجاهات النفسية، وأنماط الاستهلاك – محتجزة داخل منصات خاصة. هذه البيانات، التي يُفترض أنها ذات طبيعة عامة لأنها ناتجة عن تفاعل المستخدمين، تحولت إلى ملكية خاصة غير متاحة لصناع القرار العامين إلا بشروط المنصة.
الأزمة هنا ليست فقط في الحدث الطارئ، بل في بنية المعرفة ذاتها.
فالمنصات الرقمية تعمل ضمن أسواق متعددة الجوانب، تستفيد من تأثيرات الشبكة، حيث تزداد قيمتها كلما ازداد عدد مستخدميها. ومع توسعها، تتعاظم قدرتها على تحليل البيانات وتوقع السلوك، ما يمنحها سلطة غير مباشرة على تشكيل الرأي العام، وتوجيه الاستجابات، بل وحتى إعادة تعريف الأولويات المجتمعية أثناء الأزمات.
في سياق الأزمات الصحية مثل جائحة كورونا، أو الأزمات السياسية، أو الكوارث البيئية، يصبح السؤال: من يملك البيانات؟ ومن يملك القدرة على تفسيرها؟ ومن يحدد ما الذي يصل إلى الجمهور؟
إذا كانت المعلومات هي أساس إدارة المخاطر، فإن احتكارها يخلق خللًا في توازن القوة بين القطاع العام والخاص.
تُبرز الدراسة مفارقة مركزية: انخفاض تكاليف المعاملات الرقمية كان من المفترض أن يعزز اللامركزية ويقوي السوق، لكنه في الواقع أدى إلى تركّز هائل في السلطة وهذا التركّز له تبعات مباشرة على إدارة الأزمات، لأن الأزمات بطبيعتها تتطلب تنسيقًا واسعًا، وشفافية، وتدفقًا مفتوحًا للمعلومات أما حين تصبح البيانات حكرًا على منصات خاصة، فإن الدولة والمجتمع يعتمدان على وسطاء رقميين قد تتعارض مصالحهم مع الصالح العام.
الأخطر من ذلك هو ما يُسمى بـ"الأسر المعلوماتي" فالخوارزميات لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تقوم بفلترتها وتخصيصها وفقًا لملفات تعريف المستخدمين وهكذا، يدخل الأفراد في ما يشبه "أسواقًا معلوماتية مغلقة"، حيث يرون ما يتوافق مع تفضيلاتهم السابقة في أوقات الأزمات، قد يؤدي هذا إلى تضخيم الخوف، أو نشر الشائعات، أو تعميق الاستقطاب، لأن كل مجموعة تتلقى نسخة مختلفة من الواقع.
إدارة الأزمات في هذا السياق لم تعد مسألة خطط طوارئ فقط، بل أصبحت مسألة حوكمة بيانات.
الاتحاد الأوروبي حاول معالجة هذا الخلل عبر اللائحة العامة لحماية البيانات، المعروفة بـ General Data Protection Regulation، والتي منحت المستخدمين حق نقل بياناتهم بين المنصات هذا الحق في "قابلية نقل البيانات" لا يهدف فقط إلى حماية الخصوصية، بل إلى تقليل تكاليف الانتقال بين المنصات، وبالتالي تعزيز المنافسة والحد من الاحتكار.
من منظور إدارة الأزمات، تمكين الأفراد من التحكم ببياناتهم يعني تقليل درجة الاعتماد القسري على منصة واحدة، وخلق بيئة أكثر مرونة. والمرونة هي جوهر إدارة المخاطر. فالنظام الذي يسمح بتعدد القنوات، وتنوع المصادر، وإمكانية الانتقال، يكون أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.
غير أن التحدي لا يزال قائمًا فحتى مع وجود أطر تنظيمية، تعاني الجهات العامة من فجوة معرفية أمام عمالقة التكنولوجيا الخوارزميات تعمل كـ"صناديق سوداء"، يصعب فهم آلياتها أو مساءلتها وهذا يضعف القدرة على التنبؤ بتأثيراتها أثناء الأزمات، سواء في تشكيل الرأي العام أو في إعادة توزيع الموارد.
إن التحول الرقمي فرض على إدارة الأزمات إعادة تعريف مفاهيمها الأساسية. لم تعد المخاطر محصورة في الكوارث الطبيعية أو الاضطرابات الاقتصادية، بل أصبحت تشمل مخاطر الاحتكار المعرفي، والتلاعب بالخوارزميات، وتآكل حرية الاختيار نتيجة الإغراق بالمحتوى المخصص.
في هذا الإطار، يمكن القول إن إدارة الأزمات في عصر الرأسمالية المنصاتية تتطلب ثلاث ركائز مترابطة: أولًا، شفافية خوارزمية تسمح بفهم كيفية ترتيب المعلومات وتوجيهها ثانيًا، تمكين المستخدمين من ملكية بياناتهم والمشاركة في قيمتها الاقتصادية ثالثًا، تعاون مؤسسي بين هيئات المنافسة، وهيئات حماية البيانات، والجهات المنظمة للاتصالات، لضمان ألا تتحول الكفاءة الرقمية إلى احتكار دائم.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن المنصات الرقمية قادرة، بفضل بياناتها الضخمة، على التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، ورصد التحولات الاجتماعية بسرعة هائلة لكنها في الوقت ذاته قد تعمّق الأزمات إذا استُخدمت البيانات لتعظيم الأرباح فقط دون اعتبار للأثر المجتمعي.
وهنا يظهر دور صناع السياسات والباحثين في إدارة الأزمات: ليس فقط في التعامل مع نتائج التحول الرقمي، بل في تصميم حوكمة تضمن أن تبقى البيانات أداة للصالح العام، لا وسيلة للهيمنة.
في النهاية، السؤال ليس ما إذا كانت المنصات الرقمية جيدة أو سيئة، بل كيف يمكن دمج كفاءتها في إطار مؤسسي يحفظ التوازن بين الابتكار والعدالة، بين الكفاءة والحرية، بين إدارة المخاطر وتعظيم الأرباح.
ففي عالم تُدار فيه الأسواق بالخوارزميات، تصبح إدارة الأزمات معركة على معنى المعلومات نفسها، وعلى من يملك حق استخدامها، وعلى أي أسس تُبنى الثقة في زمن تتداخل فيه البيانات بالسيادة.