العالم على صفيح نفطي ساخن
د. مثقال القرالة
01-03-2026 10:31 AM
ليس من قبيل المبالغة القول إن العالم يقف اليوم على حافة اختبار طاقة استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين الاقتصاد الدولي لعقدٍ كامل، لا لأسابيع أو أشهر. فالتصعيد العسكري في منطقة الخليج لا يُقرأ بوصفه حدثاً أمنياً محدوداً، بل باعتباره تهديداً مباشراً لأهم شريان يغذي الاقتصاد العالمي بالحياة: تدفق الطاقة. وفي عالم باتت فيه سلاسل الإمداد مترابطة حدّ الهشاشة، يكفي اضطراب في نقطةٍ واحدةٍ حرجة ليُطلق موجة ارتدادية تمتد من محطات الوقود إلى أسواق المال، ومن موازنات الدول إلى موائد المواطنين. فالنفط في هذه المعادلة ليس مجرد سلعة، بل أصل سيادي يعكس توازنات القوة. وإيران، رغم العقوبات الخانقة، ما تزال لاعباً نفطياً لا يمكن تجاهله. إنتاجٌ يقارب 3.1 مليون برميل يومياً وصادراتٌ تتراوح بين 1.3 و1.5 مليون برميل معظمها يتجه إلى الصين، يعني أن جزءاً معتبراً من الطلب العالمي يعتمد فعلياً على استمرار تدفق هذا النفط “غير الرسمي”. هذا الاعتماد الصامت يخلق مفارقة لافتة: السوق يدين بالاستقرار لبراميلٍ تُباع خارج النظام التقليدي، وأي اختفاء مفاجئ لها سيكشف مدى هشاشة التوازن القائم.
لكن جوهر المخاطرة لا يكمن في النفط الإيراني وحده، بل في الجغرافيا التي يمر عبرها نفط العالم. مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً، بل عقدة الشريان الذي يحمل نحو 20 مليون برميل يومياً أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي. تاريخياً، لم يُغلق المضيق حتى في أحلك لحظات التوتر، لكن أسواق الطاقة لا تنتظر الإغلاق الفعلي. يكفي أن ترتفع احتمالات التعطيل حتى تُسعِّر السوق “الخطر قبل الحدث”. وهذا ما يفسر القفزات الحادة التي تحدث أحياناً دون أن ينخفض الإنتاج فعلياً برميلاً واحداً. فالاقتصاد النفطي تحكمه قاعدة بسيطة لكنها قاسية: الأسعار تُبنى على الهامش لا على المتوسط. فإذا كان العرض العالمي متوازناً عند حدٍّ دقيق، فإن فقدان مليون أو مليوني برميل فقط يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات غير متوقعة. فالسوق لا يبحث عن الكمية المفقودة فحسب، بل عن بدائلها، وغالباً ما تكون هذه البدائل أعلى تكلفة وأبطأ استجابة. وهنا تظهر ميزة النفط الإيراني منخفض التكلفة نحو 10 دولارات للبرميل مقارنة بتكاليف تصل إلى 40 أو 60 دولاراً في بعض مناطق الإنتاج الأخرى. اختفاء البراميل الرخيصة يعني ارتفاع “السعر المرجعي” للسوق بأكمله.
ولا تقتصر المخاطر على جانب العرض، بل تمتد إلى تكلفة نقل الطاقة نفسها. فمع تصاعد التوتر، ترتفع أقساط التأمين على الناقلات، وتزداد تكاليف الشحن، وقد تتجنب بعض الشركات المرور في مناطق عالية المخاطر، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع الأسعار حتى لو بقيت الإمدادات متاحة. هذه الظاهرة تُعرف اقتصادياً بـ “صدمة التكلفة غير المباشرة”، وهي من أخطر أنواع الصدمات لأنها تضرب كل سلعة تعتمد على النقل، أي كل شيء تقريباً. النتيجة الطبيعية لذلك هي عودة الضغوط التضخمية عالمياً. فارتفاع النفط لا يرفع أسعار الوقود فقط، بل يدخل في تكلفة الإنتاج الصناعي، والزراعة، والكهرباء، والنقل، وحتى الخدمات. وهذا يعني أن البنوك المركزية التي بدأت أصلاً مساراً حذراً نحو تخفيف السياسة النقدية قد تضطر إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يبطئ النمو الاقتصادي ويضغط على الاستثمار. وهكذا تتحول أزمة طاقة إلى أزمة نمو، ثم إلى أزمة اجتماعية في الدول الأكثر هشاشة.
سياسياً، تتحول الطاقة إلى أداة ردع متبادل. فالدول المستهلكة الكبرى تدرك أن أي اضطراب طويل سيهدد استقرارها الداخلي، بينما تدرك الدول المنتجة أن الأسعار المرتفعة قد توفر إيرادات ضخمة لكنها تحمل في طياتها خطر تدمير الطلب ودفع العالم نحو تسريع التحول إلى الطاقة البديلة. لذلك فإن الجميع يسير على حافة توازن دقيق: لا حرب شاملة ولا استقرار كامل، بل منطقة رمادية مشحونة بالتوتر. كما أن الصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تجد نفسها في قلب المعادلة. اعتمادها الكبير على نفط الخليج بما فيه النفط الإيراني يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في هرمز. وهذا يفسر تحركاتها الدبلوماسية الهادئة للحفاظ على استقرار الإمدادات، لأن أمن الطاقة بالنسبة لبكين ليس ملفاً اقتصادياً فحسب، بل عنصر أساسي في استراتيجيتها كقوة عظمى صاعدة.
من منظور استراتيجي أوسع، يعيد هذا المشهد التذكير بحقيقة طالما تجاهلها العالم في سنوات الوفرة: أن أمن الطاقة لا يُقاس بحجم الاحتياطيات فقط، بل بأمان طرق النقل واستقرار المناطق المنتجة. فبرميل النفط في باطن الأرض لا قيمة له إذا لم يصل إلى السوق. ولهذا فإن المضائق البحرية لا الحقول هي الحلقة الأضعف في نظام الطاقة العالمي. كما ان الأثر طويل المدى لمثل هذه الأزمات يتجاوز الأسعار الآنية. فكل صدمة كبيرة تدفع الدول إلى إعادة صياغة سياساتها الطاقوية: تنويع المصادر، بناء احتياطيات استراتيجية، تسريع الاستثمار في البدائل، وإعادة النظر في الاعتماد المفرط على منطقة واحدة. بمعنى آخر، كل أزمة نفطية كبرى تزرع بذور تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي.
وفي المحصلة، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد توتر إقليمي، بل اختبار لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على امتصاص الصدمات. فإذا بقيت خطوط الإمداد مفتوحة، قد يمر العالم بعاصفة سعرية مؤقتة. أما إذا تعطل تدفق النفط عبر الخليج ولو جزئياً فإننا قد نكون أمام موجة تضخمية عالمية جديدة تعيد ترتيب أولويات الدول، وتؤجل التعافي الاقتصادي، وتفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين الطويل. إن النفط في زمن الأزمات يتحول من سلعة إلى لغة سياسية صامتة تُعبِّر عن موازين القوة الحقيقية. ومن يراقب حركة البرميل، يقرأ في الحقيقة حركة العالم بأسره. ففي النهاية، قد تبدأ الحروب بالصواريخ، لكنها تُحسم غالباً عند محطات الطاقة.