حرب كسر التوازن في الشرق الأوسط
م. بسام ابو النصر
01-03-2026 12:26 PM
تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا غير مسبوق في ظل المواجهات المشتعلة بين الولايات المتحدة والعدو الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مشهد يعيد رسم خرائط التوازنات الإقليمية ويضع الشرق الأوسط أمام مرحلة مفصلية قد تتجاوز حدود الصراع التقليدي إلى إعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي برمّته.
من الواضح أن لكل طرف أهدافه الاستراتيجية الخاصة. فالولايات المتحدة تبدو معنية – وفق التصريحات والتحليلات المتداولة – بتدمير البنية التحتية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية بما فيها التوجه لامتلاك السلاح النووي ، بما يحد من قدرات طهران على التأثير الإقليمي ويضعف أدواتها الصاروخية وشبكاتها الحليفة. أما العدو الصهيوني، فيسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يضع نصب عينيه إزاحة النظام الإيراني نفسه، واستهداف قياداته، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، باعتباره رمز المشروع السياسي والعقائدي الذي تعتبره تل أبيب تهديدا وجوديا.
وقد تعددت البيانات الصادرة عن الأطراف الثلاثة بشأن نتائج الضربات المتبادلة، بما في ذلك أنباء متضاربة حول استهداف قيادات إيرانية رفيعة، ( تناقلت الاخبار عن مقتل المرشد علي خامئني). في المقابل، تواصل الصواريخ الإيرانية استهداف العمق الصهيوني، بينما تتناوب الطائرات الأمريكية والإسرائيلية على قصف مواقع داخل الأراضي الإيرانية، وسط اتهامات باستهداف مناطق مدنية في جنوب إيران بهدف الضغط النفسي وإرباك الجبهة الداخلية.
ولم تقتصر تداعيات المواجهة على أطرافها المباشرين، إذ شهدت المنطقة اعتداءات مباشرة طالت دولا عربية، سواء عبر سقوط مقذوفات أو اختراقات جوية أو استباحة للأجواء خلال عبور الصواريخ، وكان الأهم من كل ذلك الاعتداءات التي تعرضت لها بشكل مباشر من ايران. فقد تعرضت الأردن والسعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين لانعكاسات مباشرة، إضافة إلى استباحة أجواء سوريا والعراق وفلسطين، ما وضع هذه الدول أمام واقع أمني معقد رغم عدم إعلانها الانخراط في العمليات القتالية.
وفي هذا الإطار، أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بوضوح أن الأردن لن يسمح باستخدام أراضيه منصة لأي هجوم باتجاه إيران، مؤكدا تمسك المملكة بمبدأ عدم الانجرار إلى الصراع مع الحفاظ على سيادتها وأمنها الوطني.
إن اتساع رقعة التأثيرات الجانبية للحرب يفرض ضرورة بلورة جهد عربي استراتيجي مشترك، لا يقوم فقط على ردود الفعل، بل على صياغة منظومة ردع إقليمية متكاملة تحول دون تحويل أي دولة عربية إلى ساحة استنزاف تمتد إليها أيادٍ من هذا الطرف أو ذاك. فسواء تعلّق الأمر بمخططات صهيونية مستقبلية، أو بردود فعل إيرانية ضمن سياق المواجهة، فإن المصلحة العربية تقتضي تحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز التنسيق الدفاعي والسياسي، ومنع تكرار سيناريوهات التفكك التي أنهكت المنطقة خلال العقود الماضية.
إحدى النقاط المثيرة للتساؤل تمثلت في حدود الدور الأمريكي في حماية بعض الدول الحليفة التي تأثرت باعتداءات ايرانية مباشرة، ما يعزز الانطباع بأن الأولوية الأمريكية تنحصر في حماية الكيان المحتل وضمان تفوقه العسكري، دون الانخراط في ترتيبات دفاع إقليمي أوسع، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات براغماتية تتعلق بحسابات المصالح وإعادة توزيع النفوذ في حال إضعاف إيران أو سقوط نظامها.
إقليميا، يثير الموقف التركي والباكستاني علامات استفهام، خاصة في ظل علاقات التعاون الدفاعي مع السعودية. فالصمت النسبي لأنقرة وإسلام آباد يوحي بحسابات دقيقة تتجنب الانخراط المباشر في صراع قد يعيد رسم توازن القوى ، لا سيما أن إضعاف إيران قد يفضي إلى اختلال استراتيجي يجعل دولا عربية وإسلامية أخرى عرضة لضغوط مستقبلية.
التاريخ القريب يقدم سوابق لا يمكن تجاهلها. فالحرب العراقية–الإيرانية استنزفت الدولتين لسنوات طويلة، ثم جاءت مرحلة إسقاط النظام العراقي وما تبعها من تفكيك للآلة العسكرية العراقية، لتتحول المنطقة إلى ساحات نفوذ متنازع عليها. اليوم، يخشى كثيرون من تكرار سيناريو إضعاف دولة مركزية أخرى بما يخلّ بالتوازن الذي حال – رغم كل التوترات – دون انفراد قوة واحدة بالهيمنة الكاملة.
يبقى السؤال الأبرز: هل نحن أمام حرب محدودة بأهداف تكتيكية، أم أمام مشروع إعادة تشكيل شامل للمنطقة؟ وأين ستتموضع القوى الإقليمية الكبرى إذا ما طال أمد الصراع أو تبدلت موازينه؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار قاسٍ لقدرة الدول العربية على حماية سيادتها، ومنع تحويل أراضيها وأجوائها إلى مسرح صراع مفتوح، وصياغة موقف جماعي بالتنسيق مع دول عربية قوية كمصر والسعودية ، يحول دون أن تصبح أي دولة خاصرة رخوة في معادلة إقليمية تتشكل بالنار.