في ذكرى تعريب قيادة الجيش .. يوم السيادة والقرار الشجاع
فيصل تايه
01-03-2026 03:55 PM
في الأول من آذار، يقف الأردنيون وقفة اعتزاز وتأمل أمام واحدة من أنصع المحطات في تاريخ دولتهم الحديثة، محطة جسدت فعل سيادة مكتمل الأركان، ورؤية دولة، وإرادة أمة ، ففي هذا اليوم من عام ١٩٥٦، اتخذ المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال –رحمه الله– قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي، ليضع المؤسسة العسكرية الأردنية في موقعها الطبيعي : جيشاً وطنياً خالصاً، عربي الهوية، أردني القيادة، مستقل القرار، وممتد الرسالة.
لم يكن ذلك القرار سهلاً في زمن تعقدت فيه موازين القوى وتشابكت فيه الإرادات الدولية، لكنه جاء تعبيراً صادقاً عن إيمان عميق بأن لا سيادة حقيقية لدولة لا تملك قرارها العسكري، ولا كرامة لأمة لا يقود أبناءُها جيشها ، ومن هنا، لم يكن تعريب قيادة الجيش مجرد إنهاء لمرحلة، بل كان إعلاناً لبدء عهد جديد، تبنى فيه الدولة على الثقة بالإنسان الأردني، وعلى الإيمان بقدرته على القيادة والبذل والتضحية.
ان جيشنا الجيش الأردني ينفرد دون سواه، بحمل اسم “الجيش العربي”، لا بوصفه شعاراً رمزياً، بل باعتباره امتداداً تاريخياً وأخلاقياً للثورة العربية الكبرى، ونواتها الأولى، وتجسيداً حياً لفكرتها الجامعة ، فهو جيش عربي في انتمائه، أردني في ولائه، إنساني في رسالته، لم تقيده الجغرافيا حين نادته الواجبات، ولم تحصره الحدود عندما استُدعيت القيم ، وقد حمل هذا الجيش شرف الدفاع عن الأردن، وعن فلسطين، وعن القدس، وعن كل أرض عربية داهمها الخطر، فكان حاضراً حيث يكون الشرف واجباً، والواجب قدراً.
ان عقيدة عسكرية وطنية قوامها الاحتراف والانضباط، والإخلاص المطلق للوطن وقيادته، والالتزام الصارم بالقيم الأخلاقية التي تجعل من القوة وسيلة لحماية الإنسان لا لقهره، ومن السلاح درعاً للعدل لا أداة للعدوان ، وعلى هذه القيم نشأ الجيش العربي الأردني وتطور، فعدا نموذجاً يحتذى، ومؤسسة يشار إليها بالبنان، ليس فقط في ميادين القتال، بل في ميادين حفظ السلام، والإغاثة، والعمل الإنساني، حيثما تطلّبت الكرامة الإنسانية نصيراً.
واليوم، يواصل الجيش العربي أداء رسالته السامية في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه، الذي ورث عن الحسين إيمانه العميق بالقوات المسلحة، وإدراكه لدورها المحوري في حماية الوطن وصون استقراره، وفي الإسهام الفاعل في أمن الإقليم والعالم ، فبقي الجيش، كما كان دائماً، صمام أمان الدولة، وركيزة من ركائزها الصلبة، وعدتها للحاضر وضمانتها للمستقبل.
إن ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل لحظة وعي وامتنان، نستحضر فيها معنى الدولة القوية، والقرار الشجاع، والمؤسسة التي صنعت بالثقة والتضحيات ، وهي مناسبة نجدد فيها العهد لجيشنا العربي المصطفوي، بأن يبقى موضع فخرنا، وعنوان عزتنا، وتجسيداً حياً لمعنى الانتماء، وأن تبقى خدمته شرفاً لا يعدله شرف، ومسؤولية وطنية سامية، تتوارثها الأجيال كما تتوارث القيم الكبرى.
وفي هذه الذكرى المجيدة، لا يسعنا إلا أن نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك إلى القيادة الهاشمية، وإلى نشامى الجيش العربي، وإلى الشعب الأردني كله، سائلين الله أن يحفظ الأردن، وأن يبقي رايته عالية، وأن يديم على جيشه شرف الرسالة ونقاء الغاية، ليظل، كما كان وسيبقى، جيش الأمة، وسيف الحق، ودرع الوطن.
والله الموفق