الجواسيس أخطر من الصواريخ ..
حسان سلطان المجالي
02-03-2026 01:53 PM
لم يكن مستغرباً أن تتردد أنباء عن وجود اختراقات في محيط المرشد الأعلى في إيران ، فالتجسس لم يعد حدثاً عابراً في زمن الحروب المركّبة ، بل أصبح سلاحاً استراتيجياً يفوق في أثره الصواريخ والطائرات ، لأن الصاروخ قد يدمّر موقعاً ، أما الجاسوس فيدمّر ثقة وبنية ودولة ....
الجاسوسية اليوم لم تعد مجرد (عميلاً) يحمل ملفاً سرياً ، بل إنها قد أصبحت منظومة تعمل من خلال الاختراق السيبراني ، والتجنيد بالمصالح ، واستثمار للانقسامات في الأوطان ، وتوظيف للإعلام والرأي العام ،، بمعنى أن الجاسوسية قد أصبحت علم قائم بذاته عابر للحدود وله أشكال وألوان متعددة ، حيث تتسلل من ثغرات السياسة قبل أن تتسلل من ثغرات الأمن ،،، ولهذا نجد أن كثيراً من الدول باتت تنظر إلى (الأمن الداخلي) بوصفه شريكاً موازياً للأمن العسكري ، لا بل وأحياناً أولوية عليه ....
لكن الأخطر من الجاسوسية هي البيئة التي تصنعها ، فالدول لا تُخترق فقط بذكاء أعدائها ، بل بضعف مناعتها الداخلية حين يُقصى المخلصون ، وتُحاصر الكفاءات ، ويُعاقب أصحاب الجرأة الصادقة ، وتُفتح الأبواب واسعة لأصحاب الأجندات الخفية ،، فالإقصاء ليس إجراء إداري فحسب ، بل هو ثغرة أمن قومي ....
التاريخ واضح ، وتجاربه تقول بأن كشف الجواسيس لا يتحقق فقط بتوسيع دوائر الشك ، بل بتوسيع دوائر الثقة ، لأن الأمن لا يُبنى بالخوف وحده ، بل بالاحتواء والعدالة والشفافية ،، فالدولة التي تُقرّب أوفياءها وتجعلهم شركاء لا خصوماً تغلق أبواب الاختراق قبل أن تلاحق المتسللين ....
في معارك هذا العصر يعتبر الولاء الواعي أخطر على الأعداء من أي سلاح ، والبيئة الوطنية السليمة أقوى من أي جهاز رقابي ، أما حين تتحول الدولة إلى ساحة صراع داخلي ، فإن الجواسيس حينها لا يحتاجون إلى كسر الأبواب ،، لأن الأبواب تكون قد فُتحت لهم من الداخل ..
وحفظ الله الأردن وأهله وقيادته بكل خير .