facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التعليم في زمن الأزمات .. بين مسؤولية الدولة وقلق المواطنين


فيصل تايه
03-03-2026 02:19 PM

​يعود ملف التعليم ليحتل الصدارة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على بنية المجتمع في ظل توتر إقليمي متصاعد الخطورة يلقي بظلاله على المنطقة ، اذ إن تسارع التساؤلات بين الأهالي اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو تعبير عن وعي جمعي ومسؤولية صادقة تجاه حماية الأبناء وصون مستقبلهم ، فهل نستمر في التعليم الوجاهي وسط أمواج القلق، أم نتحول إلى التعليم الرقمي "عن بعد" ضماناً للطمأنينة في المنازل ؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تحتمل الاندفاع ، بل تتطلب تفكيراً عميقاً ورؤية مدروسة، بعيداً عن الانفعال اللحظي، ليكون القرار التربوي ميزاناً دقيقاً يوازن بين مقتضيات السلامة واستحقاقات المعرفة.

​إن المدرسة، في مثل هذه اللحظات الدقيقة ، تتجاوز دورها التقليدي ، كمكان لتلقي المناهج، فهي "مساحة أمان" منظمة ، ومركز انضباط، ومنصة سيادية لإدارة الأزمة ، فالكادر المدرسي الذي من المفترض ان يكون "مدرباً" ، لا يكتفي بشرح الدروس ، بل يعرف كيف يحتوي الخوف، ويُفعل خطط الطوارئ بكفاءة ، ويحافظ على توازن الطلبة النفسي والسلوكي ، أما غياب هذا الإطار المنظم، فيترك الفراغ سيد الموقف، ويتحوّل القلق الفردي إلى حالة اضطراب جماعي تؤثر في سلوكيات الطلبة واستقرارهم اليومي ، ومن هنا، فإن القرار التربوي الرشيد لا يبنى على رهبة اللحظة، بل على موازنة دقيقة بين خطر محتمل وخطر نفسي واجتماعي مؤكد إذا ترك الأبناء بلا نظام يقود يومهم ويمنحهم الإحساس بالثبات.

وعلى الجانب الآخر، لا يجوز التعامل مع التعليم الرقمي بوصفه خياراً هشاً أو استجابة اضطرارية مؤقتة ، فصحيح أن تجربة جائحة كورونا كشفت جوانب قصور حين لم يكن هذا النمط قد ترسّخ مؤسسياً بالقدر الكافي، إلا أن المشهد اليوم مختلف جذرياً ، فقد استثمرت وزارة التربية والتعليم جهوداً نوعية في بناء منظومة رقمية متكاملة ، بدءاً من منصة "درسك" التي تضم تصويراً احترافياً للدروس وفق المناهج المطورة، بما يتيح استمرارية التعلم عند أي طارئ، مروراً بمنصة "أجيال" التي يجري تطويرها لتكون بيئة تعليمية تفاعلية أكثر تكاملاً، وصولًا إلى منصة "سراج" الداعمة للتعلم التكميلي والمراجعة ، فهذه المنصات لا تمثل حلولاً تقنية فحسب، بل تعكس انتقالاً من ردّة الفعل إلى الجاهزية المسبقة، ومن الارتجال إلى التخطيط الاستراتيجي لصون حق الطالب في التعلم تحت مختلف الظروف.

إن التعليم الرقمي، حين يُدار بمنهجية واضحة وانضباط جاد، لا يقتصر على نقل المحتوى المعرفي، بل يسهم في بناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته الحيوية ، ومن الانضباط الذاتي وإدارة الوقت، إلى البحث المستقل والتفكير النقدي ، غير أن نجاح هذا النمط لا يتحقق بالتقنية وحدها، بل عبر شراكة واعية بين المدرسة والأسرة، حيث يتحول الأهل من متلقين للقرار إلى شركاء في تنفيذه، يهيئون البيئة المناسبة ويعززون ثقافة الالتزام والمتابعة ، فنحن لا ندعو إلى استبدال خيار بآخر، بل إلى ترسيخ مفهوم "المرونة الوطنية" في إدارة التعليم، بحيث تكون لدينا القدرة المؤسسية والاجتماعية على الانتقال المنظم بين الأنماط التعليمية وفق تقدير الموقف، مع الحفاظ على استمرارية التعلم وجودته في آن واحد.

بقي ان اقول ​إن التربية في زمن الأزمات ليست قراراً عاطفياً يُتخذ تحت ضغط اللحظة، بل هي مسؤولية وطنية عليا تدار بعقلٍ بارد ورؤية بعيدة المدى ، فحماية أبنائنا لا تعني فقط صون أجسادهم من الخطر، بل صون عقولهم من الاضطراب، وضمان استمرار يومهم التعليمي ضمن نظام ثابت يمنحهم الإحساس بالاستقرار مهما تبدلت الظروف ، فالمدرسة المنظمة تبقى ركيزة الأمان، والتعليم الرقمي يمثل أداة استراتيجية تعزز الجاهزية والاستدامة، والقرار التربوي الحكيم هو الذي يوازن بين نبض الشارع وقلق الأهالي، وبين مقتضيات الانضباط وجودة التعلم ، فبهذه المعادلة وحدها نصون حق الطالب، ونرسّخ صمود الوطن، ونواصل بناء الإنسان الأردني الواعي القادر على مواجهة التحديات بثقة ومسؤولية.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :