هل سنستمع للدكتور الرشود؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
03-03-2026 03:32 PM
ليست كل التحذيرات صراخاً في العتمة.. فبعضها يأتي هادئاً.. متزناً.. يشبه الطبيب الذي يلمس النبض.. قبل أن يعلن التشخيص..
وفي رسالته إلى ملتقى النخبة-elite.. لم يكن الخبير والباحث الاقتصادي.. الدكتور أحمد الرشود بني مصطفى يهوّل.. ولم يكن يستعرض قلقاً نظرياً.. بل كان يقرأ المشهد كما هو.. إقليم مشتعل.. سلاسل توريد مضطربة.. كلف شحن وتأمين تتصاعد.. ومستهلك أردني يئن أصلاً تحت أثقال.. لا تحتاج إلى حرب كي تثقلها أكثر..
في الظروف الطبيعية.. نؤمن أن السوق يضبط نفسه بنفسه.. وأن العرض والطلب كفيلان بإيجاد التوازن.. لكننا اليوم لسنا في ظرف طبيعي.. المنافسة ليست كاملة.. والطرق ليست سالكة كما كانت.. والسلع لا تصل بالسرعة ذاتها.. ولا بالكلفة ذاتها.. فكيف نطلب من السوق.. أن يتصرف كأنه في أيام رخاء.. بينما محيطه يموج بالاضطراب؟!..
التحذير هنا ليس دعوة إلى فزع.. بل دعوة إلى انتباه.. التدخل الحكومي في مثل هذه اللحظات.. لا يُعد خروجاً على قواعد الاقتصاد.. بل حماية لها.. لأن ترك الأسواق بلا رقابة في أزمنة القلق.. يفتح الباب للاجتهادات الفردية.. وللمبالغات غير المبررة.. وربما للاحتكار المقَنَع.. وهنا يدفع المستهلك الثمن مرتين.. مرة بسبب الأزمة.. ومرة بسبب الفوضى..
ضبط الأسعار للسلع الأساسية.. وتعزيز الرقابة الفعلية.. لا الشكلية.. وإنشاء منصات شفافة.. تُظهِر الفروق فوراً.. ليست إجراءات استثنائية.. بقدر ما هي صمامات أمان.. كما أن تسهيل عمل كبار المزودين.. وضمان انسياب السلع.. لا يعني مجاملة أحد.. وليست فساداً.. بل حماية رفّ المحلات التجارية من الفراغ.. وحماية جيب المواطن من الصدمة..
لكن الصورة لا تكتمل.. إن بقينا ننتظر الحكومة وحدها.. فالمستهلك شريك في المعادلة.. التخزين غير المبرر.. يخلق أزمة قبل أن تأتي.. واللهفة ترفع السعر.. قبل أن يرتفع فعلاً.. أما التقنين الواعي.. والبحث عن البديل.. وتأجيل ما يمكن تأجيله.. فهي أدوات مقاومة هادئة.. لكنها فعالة.. تحمي البيت.. كما تحمي السوق..
لسنا في موقع التهويل.. ولسنا في موقع الاطمئنان الساذج.. نحن في لحظة تستدعي يقظة مبكرة.. لأن إدارة الأزمات.. لا تبدأ حين تضيق الرفوف.. بل حين تُقرأ المؤشرات الأولى..
رسالة الصديق المخضرم الدكتور "أبو محمد" ليست نبوءة.. بل جرس تنبيه.. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء ومسؤولية.. ولا نتوانى في الإجابة عليه.. هل سنستمع الآن.. أم ننتظر حتى يصبح الاستماع متأخراً؟!..