حين يُطرح سؤال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فإننا لا نقف أمام خبرٍ عابر في نشرةٍ عاجلة، وإنما أمام مشهدٍ ثقيل الظلال، تتراكم فيه السنوات كما تتراكم الغيوم قبيل العاصفة. ليست المسألة مجرد خلافٍ سياسي، ولا نزاعًا دبلوماسيًا يمكن أن يُحلّ بابتسامةٍ أمام عدسات الكاميرات، واكاد اجزم انه صراعٌ ممتدّ تتشابك فيه العقيدة بالمصلحة، والتاريخ بالجغرافيا، والقوة بالحسابات الدقيقة.
منذ أن تغيّر وجه السلطة في طهران أواخر سبعينيات القرن الماضي، تبدّلت لغة الخطاب بين العاصمتين. واشنطن التي اعتادت أن ترى في إيران حليفًا استراتيجيًا يحرس مصالحها في الخليج، وجدت نفسها أمام نظامٍ جديد يرفع شعار الاستقلال ويرفض الوصاية. وطهران التي خرجت من عباءة الشاه، أرادت أن تعيد تعريف موقعها في الإقليم، بوصفها لاعبًا يصنع قواعده بنفسه.
تراكمت الأزمات، من احتجاز الدبلوماسيين إلى العقوبات الاقتصادية، ومن الاتهامات المتبادلة إلى المناوشات غير المباشرة في أكثر من ساحة. العراق كان ميدانًا مفتوحًا لتصفية الحسابات بعد عام 2003، ومياه الخليج ظلت دائمًا مساحة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
ثم جاءت لحظة اغتيال قاسم سليماني لتكشف هشاشة المسافة بين الحرب واللا حرب. كانت ضربةً مدوية، تحمل في طياتها رسالة قاسية، لكن الرد الإيراني جاء محسوبًا، كأن الطرفين أرادا أن يختبرا حدّ النار دون أن يسمحا لها بالتمدد. في تلك الأيام، بدا العالم وكأنه يحبس أنفاسه، خشية أن تنفلت شرارة صغيرة فتشعل حريقًا واسعًا.
ورغم التصعيد المتكرر، لم تتحول المواجهة إلى حرب شاملة. السبب لا يكمن في غياب القدرة، وإنما في حضور الحسابات. الولايات المتحدة تعرف أن الدخول في حربٍ مفتوحة يعني استنزافًا طويلًا في منطقة ملتهبة أصلًا، وإيران تدرك أن أي مواجهة مباشرة قد تضع بنيتها الاقتصادية والعسكرية تحت ضغطٍ غير مسبوق. وبين الإدراكين، تقوم معادلة ردع صامتة، لا تُكتب في اتفاق، لكنها حاضرة في ذهن صانع القرار.
يبقى الملف النووي هو العقدة الأكثر حساسية، فهو بالنسبة لواشنطن تهديدٌ محتمل لتوازن القوى، وبالنسبة لطهران ورقة سيادية لا تقبل التنازل السهل. وبين جولات التفاوض ودفاتر العقوبات، يستمر الشد والجذب، كأن الصراع يعيش على حافة الهاوية دون أن يسقط فيها.
بكل تأكيد إن ما يجري ليس حربًا تقليدية، وإنما صراع إرادات طويل النفس. حربٌ باردة بنكهة ساخنة، تُستخدم فيها الرسائل أكثر من الرصاص، وتُحسب فيها الخطوات بميزانٍ دقيق. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل يظل هذا الاشتباك محكومًا بسقف العقل، أم أن لحظة انفعال غير محسوبة قد تغيّر وجه المنطقة