كنافة بين النارين لم تعد ذلك الطبق اللذيذ
الدكتور عادل الوهادنة
04-03-2026 03:44 AM
لم تعد “بين النارين” استعارةً لحلوى شامية تتقن فن التوازن بين لهبٍ هادئ وحرارةٍ محسوبة. لقد تحولت العبارة إلى وصفٍ يوميٍّ لواقعٍ معقّد، تُختبر فيه الدول بقدرتها على السير في ممرٍ ضيق بين ضغوطٍ متقابلة، دون أن تحترق، ودون أن تفقد شكلها أو جوهرها.
أن تكون بين نارين اليوم، ليس خيارًا عابرًا، بل معادلة دقيقة تُدار بعقلٍ بارد وقلبٍ ثابت. إنها مهارة البقاء متماسكًا حين تتسارع الأحداث، والقدرة على اتخاذ القرار حين تتضارب الحسابات. هي أن تُبقي البوصلة نحو الوطن أولًا، مهما علت الأصوات وتباينت القراءات.
الأردن يعيش هذه التجربة بكل أبعادها؛ يختبر توازنًا صعبًا بين الداخل والخارج، بين الاستقرار ومتطلبات الإصلاح، بين الواجب الإقليمي والالتزام الوطني. القرار واضح: البلد أولًا. ليس شعارًا عاطفيًا، بل مبدأ حاكم يُترجم إلى سياساتٍ محسوبة، وخطواتٍ متدرجة، وقراراتٍ لا تحتمل الارتجال.
مثل هذا الجهد التراكمي للدولة، بمؤسساتها وتراتبيتها وخبرتها المتراكمة، لا ينجح إلا إذا تكامل معه جهدٌ موازٍ في الخطاب العام. حين تتكلم الدولة بلغةٍ مسؤولة، ينبغي أن يُساندها خطابٌ شعبيٌّ وإعلاميٌّ منضبط، يدرك حساسية المرحلة، ويزن الكلمة قبل أن يطلقها. فلا مكان لأحرفٍ شاردة، ولا لكلماتٍ مبعثرة، لأن الفوضى اللفظية قد تُشعل نارًا لا تُرى إلا بعد فوات الأوان.
القوة هنا ليست في الصراخ، بل في الانضباط. ليست في المزايدة، بل في الفهم العميق لتعقيدات المشهد. الوطن حين يكون بين نارين، لا يحتاج من يزيد اللهيب، بل من يحسن إدارة الحرارة. يحتاج إلى وعيٍ جماعي يُدرك أن النجاة لا تكون بردود الفعل، بل بثبات الموقف.
كنافة بين النارين لم تعد طبقًا يُشتهى، بل اختبارًا يوميًّا لصلابة الدولة ونضج المجتمع. ومن أراد أن لا يحترق، فليجعل العقل حارسًا للكلمة، وليجعل الوطن أولًا… دائمًا.