المركز الوطني للذكاء الاصطناعي وصناعة القرار
د. علي الروضان
04-03-2026 03:39 AM
في كل مرة يُناقش فيها قرار اقتصادي أو إداري كبير، يظل سؤال بسيط لكنه جوهري: هل نرى الصورة كاملة قبل أن نقرر؟.
الدولة اليوم تدير ملفات مترابطة ومعقدة؛ فالموازنة تؤثر على الاستثمار، والاستثمار ينعكس على التشغيل، والتشغيل يمتد أثره إلى الاستقرار الاجتماعي. أي تعديل ضريبي ينعكس على السوق، وأي سياسة دعم تمس توازنات دقيقة، وأي قرار تنظيمي قد يحمل تبعات غير مباشرة لا تظهر إلا بعد أشهر أو سنوات. ومع هذا التشابك المتزايد، لم يعد الاعتماد على التقارير التقليدية أو التقديرات الجزئية كافيًا.
المطلوب أدوات تحليل أعمق، ورؤية أشمل، وقدرة أكبر على استباق النتائج قبل وقوعها. ومن هنا تبرز فكرة إنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي وصناعة القرار (National Center for Artificial Intelligence and Decision Support – NCAIDS) كمرجعية وطنية موحدة تدعم متخذي القرار بأدوات تحليل متقدمة، وتنسّق الاستخدام الحكومي للذكاء الاصطناعي ضمن إطار منظم ومسؤول.
الفكرة لا تتعلق بإضافة مؤسسة بيروقراطية جديدة، بقدر ما تتعلق بتنظيم الجهود الرقمية القائمة ضمن مظلة أكثر تكاملًا. فالجهات الحكومية تمتلك اليوم بيانات واسعة وأنظمة متعددة، لكن هذه الجهود غالبًا ما تبقى متفرقة. وجود مركز جامع يمكن أن يربط بين البيانات والتحليل وصناعة القرار ضمن رؤية وطنية واضحة يعزز الكفاءة ويحد من الازدواجية.
أحد الأدوار الجوهرية لهذا المركز يتمثل في تطوير المحرك الوطني للسياسات العامة (Jordan National Policy Engine – JNPE)، وهو نظام محاكاة وتحليل تنبؤي يساعد في دراسة أثر القرارات قبل اعتمادها. فعند بحث أي تشريع جديد أو سياسة اقتصادية، يمكن لهذا المحرك محاكاة السيناريوهات المختلفة وقياس انعكاساتها المالية والاجتماعية، وعرض بدائل مدروسة، مما يعزز القرار المبني على الأدلة ويقلل المخاطر غير المتوقعة.
كما يمكن أن يتولى المركز إدارة لوحة القيادة الوطنية للأداء الحكومي (National Government Performance Dashboard – NGPD)، وهي منصة موحدة لمؤشرات الأداء تتيح متابعة تنفيذ المشاريع الحكومية بشكل لحظي ومنهجي. هذه اللوحة لا تقتصر على عرض الأرقام، بل تشكل أداة تنفيذ حقيقية تساعد في كشف التعثر مبكرًا، وتصحيح المسار في الوقت المناسب، وتعزيز الشفافية، ودعم ثقافة المساءلة المبنية على البيانات بدل الاكتفاء بالتقارير الدورية المتأخرة.
وفي ظل التوسع المتسارع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل القطاع العام، يمكن أن يتولى المركز مهام حوكمة هذا الاستخدام من خلال إنشاء وإدارة السجل الوطني للخوارزميات الحكومية (National Public Algorithms Registry – NPAR). هذا السجل يوثق الأنظمة الذكية المستخدمة، ويحدد نوع البيانات المعتمدة، وآليات المراجعة البشرية، ومستوى المخاطر، والجهة المسؤولة عن النتائج، بما يعزز الثقة ويضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
ومن الجانب المالي، يمكن أن يضم المركز مكتب قياس العائد الرقمي على الاستثمار الحكومي (Government Digital ROI Office – GDRO)، الذي يعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لقياس الأثر الفعلي للمشاريع الرقمية من حيث الوفورات، وتقليل الهدر، وتسريع الإجراءات، وتحسين الإيرادات. وتكمن أهمية هذا المكتب في ربط التحول الرقمي مباشرة بالاستدامة المالية، بحيث لا يُنظر إلى المشاريع التقنية كبنود إنفاق، بل كأدوات إصلاح اقتصادي يمكن قياس أثرها بدقة وشفافية.
إن تجميع هذه الأدوار ضمن إطار وطني موحد لا يعني توسعًا إداريًا، بل يعكس توجهًا نحو تعزيز الكفاءة وتوحيد الرؤية. فالدولة الذكية لا تُقاس بعدد الأنظمة التي تمتلكها، بل بقدرتها على إدارتها بفعالية وتكامل.
ويتكامل هذا الطرح مع ما ورد في الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي تؤكد أهمية تعزيز البنية المؤسسية الداعمة لصناعة القرار المبني على البيانات، وبناء إطار منظم يضمن الاستخدام الفعّال والمسؤول للتقنيات الحديثة.
التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ من الأجهزة والبرمجيات، بل من طريقة التفكير وإدارة القرار. وعندما تتحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات مدروسة، تصبح الدولة أكثر قدرة على الاستباق وأكثر كفاءة في إدارة مواردها؛ فالرهان في السنوات القادمة لن يكون على من يمتلك البيانات فقط، بل على من يعرف كيف يوظفها بحكمة في خدمة الوطن.