حين تصبح الشاشات جبهة حرب
د. رائد قاقيش
04-03-2026 02:00 PM
في الحروب الحديثة لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها الروايات. وما يُنشر على الشاشات قد يسبق أحيانًا الحقيقة نفسها، فيتشكل فهم الناس للأحداث قبل أن تتضح الصورة الكاملة على الأرض.
في مثل هذه اللحظات تصبح المعلومة جزءًا من الحدث نفسه، لا مجرد وصف له.
المشكلة اليوم ليست في نقص المعلومات، بل في كثرتها. فالمشهد يمتلئ بصور ومقاطع وتفسيرات متناقضة تنتشر بسرعة هائلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع هذا التدفق المتسارع للمحتوى قد تتحول روايات غير مكتملة أو مجتزأة إلى حقائق راسخة في وعي الجمهور.
لهذا أصبحت إدارة الرواية جزءًا أساسياً من طبيعة الصراع المعاصر. فالمعركة لم تعد فقط حول ما يحدث، بل حول كيف يُفهم ما يحدث. ومن ينجح في التأثير في إدراك الناس للأحداث يستطيع أن يوجّه النقاش العام والمزاج الشعبي، حتى بعيدًا عن الوقائع الفعلية.
في هذا السياق يصبح المواطن نفسه جزءًا من المشهد الإعلامي. فكل مشاركة أو إعادة نشر لمحتوى غير دقيق قد تسهم، من حيث لا يقصد صاحبها، في توسيع دائرة القلق أو التضليل. ولهذا فإن التعامل مع المعلومات بوعي ومسؤولية لم يعد مسألة فردية فقط، بل مسؤولية مجتمعية.
كما يبرز دور الجامعات والمؤسسات التعليمية في هذه المرحلة، إذ لم يعد دورها مقتصرًا على التعليم الأكاديمي، بل يمتد إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الطلبة، وتمكينهم من قراءة الخطاب الإعلامي وتحليل ما يُنشر في الفضاء الرقمي بقدر أكبر من الوعي والنقد.
أما في الأردن، فإن ما يمكن وصفه بـ السردية الأردنية يقوم أساسًا على الاعتدال والاستقرار في منطقة تعيش مستويات عالية من التوتر. وقد تشكلت هذه السردية عبر سنوات طويلة من السياسات المتوازنة التي تقودها القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والتي حافظت على استقرار الدولة وسط بيئة إقليمية معقدة.
إن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس فقط ما يجري في الميدان، بل ما يتشكل في وعي الناس حوله. فالمعلومات التي تنتشر بسرعة قد تغيّر فهم الأحداث قبل أن تتضح حقائقها. ومن هنا تصبح المسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع في التعامل مع ما يُنشر بقدر أعلى من الوعي والتحليل، حفاظًا على استقرار المجتمعات في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام والتكنولوجيا.