facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




القيادة الهاشمية .. حكمة الدولة وصون الوطن من عواصف الإقليم


غسان الزيود
04-03-2026 11:08 PM

في إقليمٍ تعصف به الأزمات وتتشابك فيه النزاعات، ظلّ الأردن نموذجاً لدولةٍ تمشي بين الألغام بخطى محسوبة، وتُوازن بين ثوابتها القومية ومصالحها الوطنية بقدرٍ عالٍ من الحكمة والاتزان. لقد استطاعت القيادة الهاشمية، عبر عقود، أن تجنّب الأردن كثيراً من الحروب والويلات، وأن تحافظ على استقراره وسط بحرٍ متلاطمٍ من الصراعات، من دون أن تتخلّى عن مواقفها المبدئية تجاه قضايا الأمة.

منذ تأسيس الدولة على يد الملك المؤسس عبدالله الأول، ترسّخت فلسفة سياسية تقوم على الاعتدال، وعدم التورّط في صراعات داخلية للدول العربية، واحترام سيادة الدول، والسعي الدائم للإصلاح والحوار. هذه الفلسفة لم تكن تكتيكاً مرحلياً، بل أصبحت جزءاً من هوية الدولة الأردنية، وتجسدت لاحقاً في سياسات الملك الراحل الحسين بن طلال رحمه الله، الذي قاد البلاد في أحلك الظروف الإقليمية، محافظاً على استقلال القرار الوطني، ومقدّماً مصلحة الأردن العليا فوق أي اصطفافٍ عاطفي أو ضغوط ظرفية.

ومع تولي الملك عبدالله الثاني مقاليد الحكم، استمر النهج ذاته بروحٍ عصرية تتفاعل مع تعقيدات النظام الدولي الجديد. فخلال الأزمات الكبرى التي عصفت بالمنطقة في العقد الأخير، اتخذ الأردن مواقف دقيقة ومتوازنة، جنّبته الانزلاق في صراعاتٍ كان ثمنها سياسياً واقتصادياً وأمنياً باهظاً.

مثال ذلك في الحالة اللبنانية، ورغم تعقيدات المشهد والانقسامات الحادة، حافظ الأردن على مسافةٍ واحدة من جميع الأطراف، ورفض الانحياز في الصراعات الداخلية، مؤكداً دعمه لوحدة لبنان واستقراره دون التدخل في شؤونه الداخلية. لقد كان إدراك القيادة الأردنية واضحاً: أن التدخل في نزاعات داخلية يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، ويحوّل الدول إلى أطرافٍ في صراعاتٍ لا نهاية لها.

أما في الأزمة السورية، فقد اختار الأردن طريقاً بالغ الحساسية. رفض إرسال قوات عسكرية إلى الداخل السوري، ولم ينخرط في صراعٍ عسكري مباشر، لكنه في الوقت ذاته لم يتخلَّ عن موقفه الأخلاقي الداعم لحقوق الشعب السوري في الأمن والكرامة. استقبل ملايين اللاجئين، وفتح حدوده للنازحين، وتحمل أعباءً اقتصادية واجتماعية ضخمة، انحيازاً للإنسان لا للنظام، وللاستقرار لا للفوضى. كان القرار الأردني هنا تجسيداً لسياسة “الدعم الإنساني دون التورط العسكري”.

وفي اليمن، ورغم حساسية الموقف العربي وتعقيداته، اتخذ الأردن قراراً مدروساً بعدم الدفع بقوات برية إلى ساحة حربٍ مفتوحة، إدراكاً منه لحجم المخاطر وطبيعة الصراع الممتد. لم يكن ذلك تراجعاً عن الالتزامات العربية، بل قراءة واعية لتوازنات القوة، وحساباً دقيقاً لكلفة الانخراط العسكري على دولةٍ مواردها محدودة، وتحدياتها الداخلية كبيرة.

إن جوهر الحكمة الهاشمية يكمن في فهم عميق لطبيعة الدولة الأردنية: دولةٌ محدودة الموارد، لكنها غنية بالاستقرار، وقوتها الحقيقية تكمن في تماسكها الداخلي، ومؤسساتها، ووعي شعبها. لذلك كان القرار دائماً هو حماية الجبهة الداخلية، وتحييد الأردن عن صراعات المحاور، ورفض تحويله إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

لقد أثبتت التجربة أن الانجرار إلى الحروب لا يحقق دائماً مكاسب سياسية، بل قد يفتح أبواب الاستنزاف الطويل، ويُضعف الاقتصاد، ويهزّ الاستقرار الاجتماعي. وفي المقابل، أثبت الأردن أن الدبلوماسية الهادئة، والعلاقات المتوازنة، والحوار، قادرة على حفظ المصالح الوطنية دون صخبٍ أو مغامرة.

ليس معنى ذلك أن الأردن كان على الحياد الأخلاقي؛ بل كان حاضراً في كل القضايا الكبرى بدعم سياسي وإنساني واضح، لكنه ميّز دائماً بين الموقف السياسي والتورط العسكري، وبين التضامن القومي والمغامرة غير المحسوبة. هذه المعادلة الصعبة هي التي جنّبت البلاد كثيراً من الويلات التي دفعت أثمانها دولٌ أخرى من أمنها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي.

اليوم، في ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى. فالدولة التي تعرف حدود قوتها، وتدرك تعقيدات محيطها، وتضع مصلحة شعبها فوق أي اعتبار، هي الدولة القادرة على البقاء والاستمرار.

إن القيادة الهاشمية، عبر هذا النهج المتزن، لم تكتفِ بحماية الأردن من عواصف الإقليم، بل رسّخت نموذجاً سياسياً يقوم على الاعتدال، واحترام السيادة، والانحياز للاستقرار. وفي زمن الانقسامات الحادة، يظلّ الأردن شاهداً على أن الحكمة السياسية ليست ضعفاً، بل هي أعلى درجات القوة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :