أحد عشر عاماً على لقاء البابا: ماذا نقول اليوم وسط ضجيج الحرب؟
الاب د. رفعت بدر
05-03-2026 01:12 PM
في مثل هذا اليوم، الخامس من آذار عام 2015، التُقطت هذه الصورة التي أستعيدها اليوم بعد أحد عشر عاماً. يومها تشرفت بالاحتفال بالقداس الصباحي مع قداسة البابا فرنسيس في كابيلا سانتا مارتا في الفاتيكان. كان لقاءً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في معناه، إذ حمل معه صلوات وآمال الكثيرين من أبناء منطقتنا الذين كانوا يعيشون آنذاك محنة التهجير والعنف.
بعد القداس قدّمت لقداسة البابا لوحة فنية أُنجزت بالتعاون مع كاريتاس الأردن، رسمها أحد المهجّرين العراقيين، وكانت تعبّر عن الخروج المؤلم من مدينة الموصل. لوحة تختصر مأساة إنسانية عاشها آلاف الأبرياء الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم وأرضهم هرباً من بطش تنظيم داعش. ذلك الرسام نفسه غادر لاحقاً إلى أستراليا مع والدته، حاملاً معه ذاكرة الألم وأمل بداية جديدة في مكان آخر.
في ذلك اللقاء أيضاً استمع البابا فرنسيس مني إلى رسالة وجهها الإخوة العراقيون المهجّرون إلى الأردن، عبّروا فيها عن امتنانهم لصلاته ومواقفه وجهوده المستمرة من أجل الدفاع عن المهجّرين والمضطهدين. كانت كلمات بسيطة لكنها صادقة، تختصر معاناة شعب وتعلّقه بالأمل.
اليوم، وبعد مرور أحد عشر عاماً، أتأمل هذه الصورة وأتساءل: ماذا نقول اليوم للبابا فرنسيس في دار الآخرة، ولخلفه البابا لاون، ولكل أصحاب النيات الحسنة في العالم؟ ماذا نقول وسط ضجيج صفارات الإنذار وأصوات الصواريخ والطائرات والمسيّرات؟ ماذا نقول في زمنٍ تتزايد فيه حدّة العنف والكراهية وتتسع فيه رقعة الحروب لتطال شعوب المنطقة كلها؟
ماذا نقول للإخوة العالقين في المطارات وعلى الحدود؟ ماذا نقول لعائلاتٍ ما تزال تنتظر خبراً مطمئناً أو طريقاً آمناً؟ ماذا نقول في وقت يبدو فيه المستقبل غامضاً، فيما يحاول بعض ساسة العالم رسم خرائطه وفق مصالحهم، بينما هناك شعوب بأكملها تتألم وتدفع ثمن الصراعات؟
لقد عرفنا في منطقتنا خلال السنوات الماضية موجات متتالية من الهجرة والتهجير. كثيرون وجدوا ملجأً مؤقتاً في بلدان أخرى، وأهمّها الأردن العزيز الذي صار يعرف عالميا باسم "بلد الاستقبال" ، لكن قلوبهم بقيت معلقة بأوطانهم. وما زال كثيرون ينتظرون لحظة يعودون فيها إلى بيوتهم وأرضهم، وإن كان الانتظار يطول، والأمل يتعب أحياناً.
وفي خضم كل هذه الأزمات تبقى القضية المركزية في منطقتنا، قضية فلسطين والقدس، بعيدة عن حل عادل وحقيقي. وكما قال الحكماء من السياسيين، ومنهم جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، فإن السلام في القدس هو "مفتاح السلام في العالم أجمع".
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يصغي العالم إلى أصوات الشعوب التي تنادي بوقف الحروب؟ وهل تستطيع مجتمعات هذه المنطقة أن تتفرغ لبناء تنمية إنسانية حقيقية تخدم جميع سكانها؟
كيف نمنح شباب هذه المنطقة فرصة للعمل والحياة الكريمة في بيئة مستقرة؟ وكيف نسمح لأطفالها أن يكبروا وهم يحملون في عقولهم أحلام المستقبل بدلاً من ذكريات الخوف والدمار؟
إن أطفال هذه الأرض يستحقون أن يحبوا وأن يخطوا خطواتهم الأولى في عالم أكثر عدلاً وسلاماً. عالمٍ لا تُسمع فيه أصوات الصواريخ، بل أصوات الحياة والأمل... أصوات سلام حقيقي يبدأ من احترام كرامة الإنسان… وسلام في منطقتنا يبدأ من غزة، ويمتد ليشمل كل هذه الأرض المتعبة التي تستحق أن تعيش بسلام.