عندما تختبر التحالفات .. كيف تحدد الأولويات الاستراتيجية في المنطقة؟
فيصل تايه
05-03-2026 01:55 PM
لم تكن التصريحات التي أدلى بها الكاتب السعودي سليمان العقيلي في حديثه التلفزيوني حول طبيعة الموقف الأميركي في المنطقة مجرد تعليق سياسي على حدثٍ راهن ، بل كانت "في جوهرها" قراءة معمّقة وطويلة النظر لطبيعة العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة ، اذ لم يستخدم العقيلي خطاباً تصعيدياً، ولم يحاول شيطنة أي طرف، لكنه وضع إصبعه على نقطة حساسة مفادها ان الأولويات الأميركية في المنطقة واضحة وثابتة، وفي مقدمتها أمن إسرائيل.
جوهر ما طرحه العقيلي يمكن اختصاره في فكرة مركزية ، هي ان التحالفات تقاس بالفعل عند لحظة الاختبار، لا بالشعارات أو الاتفاقيات ، فعندما تتعرض إسرائيل لأي تهديد، تتحرك واشنطن بسرعة وحزم ووضوح لا لبس فيه ، أما عند تعرض دول عربية للتهديدات المباشرة، يكون الموقف أكثر حذراً أو محدودية، ويخضع لحسابات أعقد وأبطأ ، اذ ان هذا التباين "كما ألمح العقيلي" مؤشر على ترتيب الأولويات الاستراتيجية في السياسة الأميركية، ويعكس طبيعة التعامل مع التحالفات وفق المصالح أولًا
وإذا نظرنا إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، نجد أنه "من حيث التصميم والوظيفة" موجه أساساً لحماية المصالح الأميركية وضمان التفوق الاستراتيجي، وليس ليكون مظلة دفاع مطلقة عن الدول المضيفة ، هذه القواعد تؤمن نفسها أولاً، وتحافظ على جاهزية القوات، وتخدم منظومة الردع الأميركية ، وهذا الواقع لا يحمل شحنة عاطفية، بل يعكس قواعد القوة في العلاقات الدولية، حيث المصالح هي الفيصل، لا العواطف.
ما يجعل طرح العقيلي مهماً أنه صادر من داخل البيئة الخليجية، ومن موقع مطلع على تفاصيل العلاقة مع واشنطن ، لذلك فإن كلماته تعتبر قراءة مبنية على تجربة طويلة من الشراكة السياسية والعسكرية ، فحين أشار إلى أن بعض دول الخليج وجدت نفسها في صراعات لم تكن صاحبة قرار فيها، كان يلمح إلى معضلة أعمق ، وهي : كيف يمكن لدول أن تتحمل كلفة التوتر الإقليمي، بينما أولويات الحليف الاستراتيجي لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها؟
في الوقت ذاته، لا يمكن قراءة المشهد من زاوية واحدة ، فالمنطقة شهدت أيضاً توترات واعتداءات طالت دولاً عربية شقيقة، وكانت إيران طرفاً مباشراً في تلك الأحداث ، اذ ان هذه الوقائع "بصرف النظر عن خلفياتها" أسهمت في زيادة مناخ عدم الثقة، وأدخلت الإقليم في دائرة استقطاب حاد ، ومن الخطأ الاستراتيجي لأي دولة في المنطقة أن تدفع بعلاقاتها مع محيطها العربي إلى مربع الخصومة الشاملة، لأن منطق المواجهة المفتوحة لا ينتج استقراراً، بل يولد اصطفافات مضادة وتوازنات أكثر هشاشة.
ما أعاد تسليط الضوء على تصريحات العقيلي هو هذا التزامن بين عاملين ، هو تصاعد التوترات الإقليمية من جهة، وتفاوت الاستجابة الدولية بحسب الجهة المستهدفة من جهة أخرى ، وهنا تتضح قيمة تحليله ، فهو لا يكتفي بوصف الحدث، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول مفهوم “التحالف” وحدود الالتزام فيه.
اعود الى القول ، إن ما قاله العقيلي ليس دعوة إلى القطيعة، ولا خطاب مواجهة، بل دعوة إلى وضوح الرؤية ، إذا كانت المصالح هي التي تحكم سياسات القوى الكبرى، فمن الطبيعي أن تعيد الدول العربية تعريف أولوياتها، وأن تبني أمنها على أسس ذاتية أكثر صلابة، وأن تتعامل مع القوى الدولية بندية ووعي، لا على افتراضات غير مختبرة.
أن تصريحات العقيلي تعكس حقيقة لا ينبغي تجاهلها ، وهي اننا في عالم تحكمه المصالح، لا يكفي أن تكون حليفاً، بل يجب أن تمتلك أوراق قوتك، وأن تعرف أين تقف عند لحظة الاختبار ، أما الأمن العربي، فلن يكون مستداماً إلا إذا انطلق من إرادة عربية مستقلة، ورؤية استراتيجية واضحة، تحمي السيادة قبل أي اعتبار آخر.
بقي ان اقول : اننا بالنسبة لنا في الأردن، فإن المقاربة تظل قائمة على التوازن والاعتدال ، الأردن لم يكن يوماً جزءاً من سياسة التصعيد، ولا طرفاً في صراعات لا تخدم الاستقرار العربي ، وأمن الدول العربية "في منظورنا"جزء من معادلة الأمن الوطني ذاته ، لذلك يجب أن ينطلق أي تحليل جاد من حماية الاستقرار، وتعزيز السيادة، وتفادي الانجرار إلى محاور متصارعة.