الصخر الزيتي وأهميته كمصدر آمن للكهرباء في الأردن
م. عبدالفتاح الدرادكة
06-03-2026 02:38 PM
في ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، وما تشهده المنطقة من توترات سياسية واضطرابات في سلاسل التوريد، تبرز قضية أمن الطاقة باعتبارها أحد أهم التحديات التي تواجه الدول، ولا سيما تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد مصادر الطاقة. وفي هذا السياق، أثبتت التجربة الأردنية خلال السنوات الأخيرة أن الصخر الزيتي يمثل أحد أهم المصادر المحلية الموثوقة لإنتاج الكهرباء، لما يتمتع به من استقرار واستقلالية نسبية عن تقلبات الأسواق الخارجية.
لقد أظهرت التطورات الإقليمية والدولية أن الاعتماد على المصادر المحلية للطاقة يشكل عنصر قوة أساسي في منظومة الأمن الوطني. فمشروع توليد الكهرباء من الصخر الزيتي بالحرق المباشر تمكن من الاستمرار في الإنتاج دون أن يتأثر بشكل ملحوظ بالتقلبات السياسية أو الاقتصادية التي طالت مصادر الطاقة التقليدية في المنطقة. واليوم يساهم هذا المصدر بما يقارب 16% من إجمالي الكهرباء المولدة في النظام الكهربائي الأردني، وهي نسبة مهمة تعكس الدور المتنامي لهذا المورد الوطني في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
وإذا ما قورنت هذه المساهمة بمصادر التوليد التقليدية الأخرى، خصوصاً في ظل التحديات التي قد تواجه إمدادات الغاز الطبيعي أو تقلبات أسعاره، فإن الحرق المباشر للصخر الزيتي يبرز كخيار استراتيجي يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار. فالصخر الزيتي مورد محلي متوفر بكميات كبيرة داخل الأراضي الأردنية، الأمر الذي يجعل إنتاج الكهرباء منه أقل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية أو اضطرابات الإمداد، ويمنح الأردن هامشاً أكبر من الاستقلالية في قطاع الطاقة.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع توليد الكهرباء من الصخر الزيتي في منطقة العطارات بوصفه أحد المشاريع الوطنية الرائدة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العالمي أيضاً. فهذا المشروع يعد من أكبر مشاريع توليد الكهرباء من الصخر الزيتي بالحرق المباشر في العالم، ويشكل خطوة نوعية في استثمار الموارد الطبيعية الأردنية. وتكمن أهميته في كونه يعتمد على مصدر محلي بنسبة 100%، ما يجعله أحد الأعمدة المهمة في استراتيجية تنويع مصادر الطاقة في المملكة.
كما أن هذا المشروع لا يقتصر تأثيره على إنتاج الكهرباء فحسب، بل يمتد ليشكل بداية لقطاع تعديني وصناعي واعد في الأردن يعتمد على استغلال الصخر الزيتي. فبدء عمليات التعدين والاستخراج والإنتاج يفتح الباب أمام مشاريع أخرى مستقبلية يمكن أن تستفيد من الخبرات الفنية والإدارية التي تراكمت خلال تنفيذ المشروع. ومن المتوقع أن تسهم هذه الخبرات في تقليل كلفة المشاريع القادمة وتحسين كفاءة التشغيل، الأمر الذي يعزز من جدوى الاستثمار في هذا المورد الطبيعي على المدى الطويل.
وفي ضوء وضوح الرؤية المتزايد حول أهمية الصخر الزيتي ودوره في تعزيز أمن الطاقة، قد يكون من المناسب التفكير في التوسع بهذا القطاع من خلال التفاوض مع شركة العطارات للتوسع في المشروع القائم، وذلك بإضافة وحدتين جديدتين بقدرة إجمالية تقارب 470 ميغاواط، وبسعر جديد يتناسب أو يساوي سعر التوليد من الغاز الطبيعي. فاليوم أصبحت أعمال التعدين أكثر وضوحاً مما كانت عليه عند الإحالة الأولى للمشروع، حيث كانت طبيعة الطبقات الجيولوجية آنذاك غير مكتشفة بشكل كامل، وهو ما انعكس على كلفة المشروع. أما الآن، وبعد انكشاف طبقات الصخر الزيتي واكتساب الخبرة العملية في عمليات التعدين، فمن المتوقع أن تكون الكلفة أقل، وأن تكون الشركة المطورة أكثر استعداداً لقبول أسعار قريبة من أسعار التوليد باستخدام الغاز الطبيعي.
وبالتوازي مع ذلك، يمكن النظر في خيار آخر يتمثل في طرح عطاء عالمي لإنشاء محطة جديدة بقدرة تقارب 500 ميغاواط في مناطق مثل اللجون أو العطارات. فاليوم لم يعد هذا القطاع غامضاً أو غير مجرب، بل أصبح لدى الأردن خبرة عملية ومعرفة تفصيلية بطبيعة طبقات الصخر الزيتي وطرق تعدينه واستغلاله، وهو ما يعزز فرص جذب استثمارات جديدة بشروط أكثر تنافسية.
ومن المتوقع أن يؤدي دخول شركات جديدة إلى هذا المجال إلى خلق بيئة تنافسية قد تنعكس على تخفيض كلفة إنتاج الكهرباء مقارنة بالمشاريع الأولى، إضافة إلى تعزيز تنوع مصادر الطاقة في المملكة. كما أن نجاح الأردن في تطوير هذه الصناعة سيضعه على الخارطة العالمية كأحد الدول الرائدة في مجال توليد الكهرباء من الصخر الزيتي بالحرق المباشر، وقد يجعله مرجعاً فنياً وخبرةً يمكن الاستفادة منها في دول أخرى تمتلك موارد مشابهة.
إن تجربة الصخر الزيتي في الأردن تمثل مثالاً واضحاً على أهمية الاستثمار في الموارد الوطنية لتحقيق الأمن الاقتصادي والطاقة المستدامة. ومع استمرار تطوير هذا القطاع وتراكم الخبرات فيه، يمكن أن يشكل ركيزة أساسية في منظومة الطاقة الأردنية لسنوات طويلة قادمة، ويسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة.
والله من وراء القصد.