facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الخليج بين فخّ التصعيد وحكمة التوازن


فيصل تايه
06-03-2026 03:18 PM

أثارت التدوينة التي نشرها رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق "حمد بن جاسم آل ثاني" على منصة "إكس" نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية العربية، لأنها جاءت في لحظة إقليمية تتسم بحساسية استثنائية، حيث تتقاطع التوترات بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع حسابات الأمن والاستقرار في منطقة الخليج.

لم تكن كلمات "بن جاسم" مجرد تعليق عابر على ما يحدث من احداث سياسية ، بل بدت أقرب إلى قراءة استراتيجية تستند إلى خبرة طويلة في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة ، فالرجل الذي أمضى سنوات في قلب الدبلوماسية الخليجية والدولية ، يدرك أن ما يقال في العلن أحياناً لا يمثل سوى جزء من الصورة الكاملة التي تتشكل في كواليس السياسة الدولية ، ولذلك جاءت رسالته في صيغة تحذير هادئ يدعو إلى التروي وإلى النظر في أبعاد المشهد الإقليمي بعمق، بدل الاكتفاء بردود الفعل السريعة التي قد تدفع المنطقة إلى مسارات غير محسوبة.

جوهر الفكرة التي طرحها "بن جاسم" يقوم على ملاحظة أساسية تتكرر في تاريخ الشرق الأوسط: أن الصراعات في هذه المنطقة نادراً ما تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل سرعان ما تتحول إلى معادلات أوسع تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية ، ومن هنا جاء تحذيره من احتمال انزلاق دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهو سيناريو يرى أنه قد يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف المتبادل، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى التركيز على التنمية والاستقرار.

فالاشتباكات بين القوى الكبرى قد تبدأ وتنتهي وفق حسابات السياسة الدولية وتوازنات المصالح، لكن الصراعات التي تتحول إلى مواجهات إقليمية مباشرة غالباً ما تترك آثاراً أعمق وأكثر تعقيداً ، وقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية أمثلة عديدة على حروب بدأت بأهداف محدودة ثم تحولت إلى أزمات ممتدة استنزفت الموارد وعرقلت مسارات التنمية وأدخلت المنطقة في دوامات من عدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يمكن فهم دعوة "بن جاسم" إلى أن تتعامل دول الخليج مع المشهد الراهن بقدر كبير من الحذر الاستراتيجي ، فدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تعد مجرد أطراف جغرافية في منطقة مضطربة، بل أصبحت لاعباً اقتصادياً وسياسياً مهماً على مستوى العالم، وتمتلك من الإمكانات ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها عبر مزيج من الدبلوماسية الفاعلة والتوازن في العلاقات الدولية.

كما أن التغيرات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم تشير إلى أن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل في موازين القوى ، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح القرارات السياسية أكثر حساسية، لأن تأثيرها لا يقتصر على اللحظة الراهنة، بل يمتد ليحدد ملامح المستقبل لسنوات طويلة ، ولهذا شدد "بن جاسم" على أهمية أن تنظر دول الخليج إلى التطورات الجارية بأبعادها المختلفة، وأن تحافظ في الوقت ذاته على قدر من التنسيق والوحدة في المواقف.

إن التماسك بين دول الخليج لا يمثل فقط عامل قوة في مواجهة التحديات الأمنية، بل يشكل أيضاً عنصر توازن مهم في المعادلة الإقليمية ، فكلما استطاعت هذه الدول الحفاظ على قدر من التنسيق السياسي والاستراتيجي، ازدادت قدرتها على حماية استقرارها وتجنب الضغوط التي قد تنشأ في أوقات الأزمات الكبرى.

ولعل ما أعطى كلمات "بن جاسم" صدى واسعاً هو أنها صدرت عن شخصية عرفت دهاليز السياسة الدولية عن قرب ، وعرف طبيعة توازناتها الدقيقة ، وكانت شاهداً على كثير من التحولات التي مرت بها المنطقة ، فمثل هذه القراءات لا تفهم عادة بوصفها تنبؤات قاطعة، بل باعتبارها محاولة لقراءة الاتجاهات العامة للصراع وتقديم نصيحة سياسية تقوم على الخبرة والتجربة.

وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول تفسير هذه التحذيرات أو حول السيناريوهات التي ألمح إليها، لكن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من تغريدته تبدو واضحة: أن المنطقة بحاجة اليوم إلى قدر كبير من الحكمة السياسية، لأن القرارات التي تتخذ في أوقات التوتر قد تحدد مسار الأحداث لعقود مقبلة.

فالشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام مفترق طرق، حيث تتداخل حسابات القوة مع رهانات الاستقرار ، وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون قوة الدول في قدرتها على خوض الحروب فحسب، بل في قدرتها على تجنب الحروب غير الضرورية وإدارة التوازنات بحكمة.

ولعل التاريخ السياسي للمنطقة يذكرنا دائمًا بحقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادراً ما تنتهي وفق الحسابات التي بدأت بها ، وبين صخب الصراعات ومصالح القوى الكبرى، يبقى الرهان الحقيقي لدول المنطقة هو قدرتها على حماية استقرارها وصياغة مستقبلها بعقلانية سياسية تضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :