بين صبر الشعب وأخطاء الإدارة
حسان سلطان المجالي
08-03-2026 02:49 PM
لم ولن يكن الخلاف في الأردن يوماً على الوطن ، ولا على قيادته الشرعية المتمثلة بالنظام الهاشمي العريق ،، فالعلاقة بين الأردنيين وقيادتهم لم تُبنى على الخوف أو الإكراه ، بل قامت عبر تاريخ طويل من الثقة والوفاء المتبادل ، علاقة شاهد وعاش فيها الأردنيون معنى التواضع الهاشمي وخدمة الوطن بإخلاص ، فكان الولاء صادقاً نابعاً من قناعة راسخة ومحبة حقيقية لهذا الوطن وقيادته ....
لكن المشكلة الحقيقية كانت دائماً في الحكومات المتعاقبة ، وفي نوعية بعض المسؤولين الذين يتناوبون على المناصب العليا دون أن يدركوا حجم المسؤولية التي أوكلت إليهم ،، فبدلاً من أن يكونوا خادمين للوطن والناس ، تحوّل بعضهم إلى عبىء ثقيل على الدولة والمجتمع ، حيث يتعاملون مع المواطنين بفوقية مستفزة وتعالي غير مبرر ، وكأن المناصب التي وصلوا إليها صدفة أصبحت حقاً مكتسباً ، لا أمانة ثقيلة يجب أن تؤدّى بصدق وكفاءة ...
لقد فشلت حكومات كثيرة في إدارة الملفات الاقتصادية والمعيشية كما يجب ، وبدلاً من مواجهة الواقع بشجاعة اختارت الهروب إلى لغة التبرير والإنكار أو الاختباء خلف بيانات لعشيرته تمجده وترفع من شأنه ، فكانت النتيجة قرارات مرتبكة ، وسياسات متناقضة ، وتصريحات تزيد من احتقان الشارع بدلاً من أن تطمئن الناس ،، وهكذا تشكّلت مع مرور الوقت فجوة ثقة واسعة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، فجوة لم يصنعها الشعب ، بل صنعتها سياسات حكومية عاجزة عن فهم نبض المجتمع ومعاناته ،، والأخطر من ذلك أن بعض المسؤولين أصبحوا يشكّلون حجاباً بين الشعب والنظام حين ينقلون الصورة مقلوبة ، ويخفون الحقائق رغم أنهم أقسموا اليمين على الإخلاص والولاء للملك وللدستور وللشعب ،، فهم وبهذا السلوك لا يخدمون الدولة ، بل يسيئون إليها ، ويعمّقون الأزمة بين المواطن ومؤسساتها ....
أما الحقيقة التي لا يريد كثير منهم الاعتراف بها فهي أن الشعب الأردني اليوم مثقل بالهموم والأعباء ، فهو يكابد ضيق العيش بصبر وكبرياء ، شعب يتعفف حتى يُحسبه من لا يعرفه غنياً ، بينما هو في الواقع يواجه ضغوط الحياة اليومية بصمت مؤلم ، لأن كرامته تمنعه من الشكوى ،، ولكن صبر هذا الشعب لا ينبغي أن يُفهم خطأً على أنه رضا ، ولا على أنه في غفلة عمّا يجري ...
إن أخطر ما يهدد الدول ليس صوت المواطنين عندما ينتقدون ، بل إصرار بعض الحكومات على إدارة الشأن العام بعقلية التعالي والإنكار ، فالدول لا تُدار بالتصريحات ولا بتجاهل معاناة الناس ، بل بالمسؤولية والصدق والقدرة على الإصلاح ،، وكل تأخير في الاعتراف بالأخطاء ومعالجتها لا يصنع الاستقرار ، بل يراكم الأزمات ويجعل كلفتها على الوطن أكبر مع مرور الوقت ....
والله المستعان .
* مستشار قانوني