الأنا والآخر .. عندما تصبح الوطنية وجهة نظر
د. محمد العزة
09-03-2026 07:58 PM
الأنا والآخر ركنان من أركان فلسفة الحوار، وسقفهما عنصران اثنان: الرأي والرأي الآخر. وهما عنوانان رئيسيان يعكسان منطق وفكر كل ما ينطوي تحتهما من نصوص مكتوبة ومقروءة، تطبق داخلها قواعد الاشتباك المتعارف عليها، حيث تحاول أطراف الحوار الدفاع عن آرائها وما جاء فيها، حتى يثبت أحدها صحة رأيه على الآخر. وإن لم تحدث القناعة، تبقى جميع الآراء والأفكار المطروحة صحيحة وحالة صحية إلى أن يثبت العكس.
ما ذكر سلفًا هو صفات وسمات مدونة السلوك التي نريدها لضبط إيقاع أي حوار أو نقاش يُدار أو يُثار حول أي قضية أو شأن عام داخليًا أو خارجيًا، يحتضنه إطار وطني أردني، مع التأكيد على توحيد البوصلة نحو قبلتها الأولى: المصلحة العامة للأردن الوطن والدولة، بعيدًا عن حسابات المجاملات أو بورصات إعلان التنافس على امتلاك فائض من شعارات ادعاء الوطنية الرقمية،أيهم يمتلك منها أكثر من الآخر.
حتى إذا ما دشنت قاطرة الحوار، سرعان ما تبادر فئة إلى تحريك ماكينة التشويش، باستخدام أدوات الاتهام والتشكيك، مروّجة لنفسها أنها صاحبة الولاية العامة في تقديم مسودات صكوك الوطنية الإلكترونية. ولا ندري بأي حبر كُتبت:
أهو ما عهدناه دماء الشهداء، الأصدق قولًا والأخلص عملًا، الذين ارتجوا في ميادين الفداء؟
أم عرق الجباه المسكوب التي لا تعرف الانحناء إلا لله؟
أم هي الدموع الصناعية على صفحات المساء في الطبعة الأولى، تخفي ما خلفها؟
لا علم لنا بمدى صدق هذه الادعاءات إلا عبر مقارنة ما نسمعه أو نقرأه عنها بما يصدر عنها من عمل موثوق وتجربة على أرض الواقع.
هذه الأيام يتقاسم الوطن أغنياء وأدعياء الوطنية الرقمية ، من "النيوليبرال الديجيتال" و"المحافظين الجدد"، ممن أنهكوا الاقتصاد وانتهكوا موارده وأهدروا ثرواته، ليتركوه رهينة حالة جدلية عبثية تطرح الأسئلة بلا أجوبة، أو تترك الإجابات مبهمة، انتظارًا للحظة إعلان ضعفه لافتراسه.
تجمعهم مصالح مشتركة، وما تتطلبه من مزاوجة بين رأس المال والسلطة، إلا من رحم ربي منهم؛ أولئك الذين قدموا وأفنوا وضحوا بمالهم وسنوات عمرهم سبيلًا في تنميته وازدهاره، وهؤلاء على عهدهم.
أما الأغلبية الصامتة، فلهم ترابه يفترشونه ويعيشون فيه، ينبتون من رحم أرضه ويعودون إليه بعد أن يؤدوا واجباتهم بإخلاص وأمانة، ينتظرون القيامة منه.
تلك الفئة التي استنزفت وتستنزف طاقات الوطن وصفها الراحل الباني الحسين بن طلال بالطحالب التي تتسلق على الساق وصولًا إلى الأكتاف، لخنق الأعناق أو ليّ رقبة الوطن. تنظر إلى العلاقة معه بقدر المنفعة وما تطاله منها، ويكفيها لإثبات ذلك ورقة أو وثيقة إلكترونية موسومة بختم سري غير مرئي:
"عندما تصبح الوطنية الانتهازية وجهة نظر".
الخلاصة أن المرحلة الراهنة والمقبلة تتطلب أنماط حوار منتجة تصدر عنها مخرجات وتوصيات وخارطة طريق لبرامج تفضي إلى حلول تلبي احتياجات الوطن والمواطن، لا إلى مزيد من ورش العمل والندوات التي تسجل نقاطًا إضافية في أرصدة الرمزية الشخصية سياسيًا ومعنويًا.
ليكن الاختلاف داخل وطن لا خلاف عليه، بل لأجله؛ للحفاظ على استقراره وأمنه وثباته . فهي مكاسب تحققت ودُفع ثمنها غاليًا في محيط أقل ما توصف سيرته الذاتية بأنها مضطربة، من أبرز أعراضها دوام الاضطراب.
ولا يريد أسياد اللعبة السياسية الدولية وأتباعهم تقديم العلاج له، ليبقى على حاله بيئة خصبة لفئة الطحالب، في واقع لا يفضي إلى تسوية عادلة وشاملة لملفات الأمن والسلام والاستقرار والازدهار، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، القضية المركزية للأمة العربية.
الإيمان بأننا شركاء في الوطن لا يحتاج من أي منا إثباته عبر ما يُكتب على الصفحات. فالوطنية قناعة تسكن القلب وتقرّ بها الجوارح، لا شهادة يمنحها هذا أو ذاك.
ويحق لكل ذي رأي أن يردد خلف أمير الشعراء أحمد شوقي:
قِفْ دونَ رأيكَ في الحياةِ مجاهدًا
إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ.