الحرب .. حين يُسكب الزيت على النار
محمد مطلب المجالي
09-03-2026 10:47 PM
في كل مرة تندلع فيها حرب في منطقتنا، يخرج علينا من يحدّثنا عن الضرورات الأمنية، وعن توازنات القوى، وعن الحروب التي لا بدّ منها لحماية المصالح. لكن الحقيقة التي تُخفى خلف هذه العبارات المنمّقة أن كثيراً من الحروب التي تشتعل في الشرق الأوسط ليست سوى نارٍ أُضرمت عمداً، ثم جاء من يسكب فوقها الزيت حتى تتسع ألسنتها وتلتهم ما حولها.
لم تعد الحروب في زمننا مجرد صدام عسكري عابر بين دولتين، بل أصبحت مشروعاً كاملاً لإعادة رسم الخرائط وتغيير موازين القوى وإضعاف الدول حتى تنهار من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان. وحين تتأمل المشهد بدقة، تدرك أن بعض الأطراف لا تسعى لإطفاء الحريق، بل تتفنن في إبقائه مشتعلاً، لأن الدخان الكثيف الذي يتصاعد منه يحجب الحقائق ويمنحها الوقت لترتيب مصالحها.
إن أخطر ما في هذه الحروب أنها لا تندلع دائماً بسبب خلاف حقيقي، بل بسبب تضخيم الخلافات وتغذية العداوات وفتح أبواب التحريض على مصاريعها. وهنا تبدأ لعبة “وضع الزيت على النار”، حيث تتدفق الأسلحة، وتُضخ الأموال، وتشتعل منصّات الإعلام بالتحريض، حتى تتحول شرارة صغيرة إلى حريقٍ واسع لا يرحم.
وحين تُفتح خزائن السلاح، وتُشحن العقول بخطابات الغضب والكراهية، يصبح من السهل دفع الشعوب إلى معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل. فالدول التي تُستنزف في ميادين الحرب هي نفسها التي كانت بأمسّ الحاجة إلى مدارس ومستشفيات وفرص عمل لأبنائها، لكنها تجد نفسها فجأة تدفع ملياراتها لشراء أدوات الدمار بدل أن تستثمرها في بناء الإنسان.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تظهر حقيقة مرة: أن هناك من يعيش على استمرار الحروب كما يعيش التاجر على رواج السوق. مصانع السلاح تنتعش، والتحالفات تُعاد صياغتها، والنفوذ يتمدد على أنقاض المدن المدمرة والاقتصادات المنهكة. أما الشعوب، فهي التي تدفع الثمن دماً ودماراً وتهجيراً.
لقد علّمنا التاريخ أن إشعال الحرب قد يكون قراراً متهوراً يتخذه مغامر أو حاكم غارق في وهم القوة، لكن إطفاءها يحتاج إلى حكمة آلاف العقلاء. وكم من حربٍ بدأها مغرور، ثم وقف العالم كله عاجزاً عن إخمادها بعد أن خرجت عن السيطرة.
إن منطقتنا العربية دفعت أثماناً باهظة من الدماء والخراب بسبب حروب لم تكن دائماً قدرها المحتوم، بل نتيجة حسابات خاطئة وصراعات نفوذ لا ترى في الإنسان إلا رقماً في معادلة القوة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس اندلاع حرب جديدة فحسب، بل أن يستمر منطق صبّ الزيت على النار بدل البحث عن الماء الذي يطفئها.
فالحكمة لا تُقاس بعدد الصواريخ، والقوة الحقيقية ليست في اتساع ميادين القتال، بل في القدرة على تجنيب الشعوب ويلات الحروب. ومن لا يتعلم من دروس التاريخ، سيظل يكرر مآسيه جيلاً بعد جيل.
وهل آن الأوان أن نطفئ النار… أم سنبقى شهوداً على من يسكب الزيت فوقها؟