بين التفوق العسكري والمأزق السياسي: إلى أين تتجه الحرب على إيران؟
د. منذر الحوارات
10-03-2026 12:30 AM
نادراً ما تُحسم الحروب الكبرى بضربة واحدة، فالقوة العسكرية لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى نتيجة سياسية واضحة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فبعد الضربة الصادمة التي استهدفت رأس النظام وعدداً من قياداته العليا، بدا المشهد وكأنه يتجه إلى انهيار سريع، لكن الأيام الأولى كشفت واقعاً أكثر تعقيداً: تفوق عسكري واضح من جهة، مقابل ثبات إيراني واستعداد لتحويل الحرب إلى مواجهة طويلة ومكلفة من جهة أخرى.
تمكنت إيران بسرعة لافتة من تجاوز صدمة اغتيال المرشد وعدد من القيادات العليا، وانتقلت من الذهول إلى رد منظم ومتعدد الاتجاهات، ما كان يُفترض أن يكون ضربة شلّ إستراتيجية للقيادة الإيرانية تحول إلى إعادة تنظيم سريعة، وهو ما أفسد الحسابات الأميركية الإسرائيلية التي راهنت على انهيار سريع في منظومة القرار، وهذا فتح باب الاحتمالات على مصراعيه، وأدخل الحرب إلى مرحلة مختلفة، فالولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لكسر عناصر الردع الإيرانية، وفرض سيطرة شبه كاملة على المجال الجوي، وهو ما لم يتحول إلى حسم سياسي؛ فلا بوادر لرضوخ طهران حتى الآن.
في المقابل لجأت إيران إلى توسيع مسرح الحرب لرفع كلفتها وإدخال أطراف أخرى فيها، ولهذا استهدفت دول الخليج بحجة وجود قواعد أميركية، بينما الهدف المُضمر جرّ هذه الدول إلى المواجهة بما يسمح باستخدام أدوات أقل كلفة وأكثر تأثيراً بحكم قرب المسافة، ويعطي فرصة أكبر لاستنزاف المنطقة، غير أن دول الخليج أدركت ذلك، وفضّلت البقاء في موقع الدفاع دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، في المقابل اتخذت طهران خطوة خطرة بتعليق المرور في مضيق هرمز، ناقلة كلفة الحرب من الإطار الإقليمي إلى العالمي نظراً لأهمية المضيق الطاقوية والاقتصادية، في الوقت نفسه واصلت الصواريخ الإيرانية رحلتها إلى عدد كبير من دول المنطقة، مع تركيز واضح على الخليج والأردن، دون مكاسب ميدانية واضحة.
ورغم الهيمنة الجوية الأميركية وكثافة الضربات على المنشآت الإيرانية، تبدو واشنطن أمام معضلة واضحة: التفوق العسكري لم يتحول إلى إنجاز سياسي، فهي تواجه ثلاثة خيارات صعبة: إضعاف النظام عبر تدمير أدواته العسكرية وهذا قد يفتح الباب لفوضى داخلية، أو إسقاطه دون القدرة على إنتاج بديل مقنع، أو التوقف قبل الحسم وتسويق الحرب باعتبارها نجحت في تحييد القدرات الإيرانية، وتشير مواقف الرئيس الأميركي إلى تفضيله نموذجاً شبيهاً بفنزويلا، أي انتقال السلطة إلى مجموعة من داخل النظام تقبل بالتعامل مع واشنطن، واختيار السيد مجتبى خامنئي مردشاً، هي رسالة تحدٍ واضحة لواشنطن، تنسف إمكانية تحقق هذا الاحتمال.
ولا تزال إيران قادرة على إفساد أي انتصار أميركي محتمل، فهي تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة في الخليج وضرب الحلفاء الإقليميين لواشنطن، وفي هذه الحالة تتحول الحرب إلى نمط غير متكافئ يعتمد على المسيّرات والزوارق الانتحارية وحرب الاستنزاف بهدف منع الهزيمة لا تحقيق النصر.
لكن أخطر السيناريوهات يبقى ما يمكن تسميته بـ«الحريق الكبير»، فوفق تقديرات عديدة أوصى المرشد علي خامنئي قبل اغتياله بإستراتيجية تقوم على توسيع الحرب إذا أصبح سقوط النظام احتمالاً واقعياً، ويعني ذلك ببساطة: إذا احترقت إيران فليحترق الإقليم معها، عبر إشعال الجبهات وتهديد الملاحة الدولية، ما قد يحوّل الحرب إلى أزمة عالمية.
يبقى السؤال: هل تستطيع واشنطن منع الوصول إلى هذه المرحلة؟ لا تزال الحرب في بدايتها، والتقديرات تشير إلى أن الحسم قد يحتاج عدة أسابيع، وهنا تكمن المعضلة: الأميركيون متفوقون عسكرياً لكنهم لم يحصلوا على تنازل سياسي، والإيرانيون يواصلون التصعيد رغم أن استمرار الحرب قد يقود إلى تدمير إيران والمنطقة معاً.
المشكلة الأعمق أن واشنطن بدأت حرباً مع دولة كبيرة دون تصور واضح لليوم التالي، فإضعاف قوة بحجم إيران لا يخلق استقراراً، بل فراغاً إستراتيجياً واسعاً، قد تشغله الفوضى.
أما دولياً فإن هذه الحرب تتجاوز حدود الشرق الأوسط، إذ ترتبط مباشرة بالصراع على قيادة النظام الدولي، خصوصاً في ظل التنافس الأميركي الصيني، ولذلك فإن نهايتها، سواء بانتصار حاسم أو حرب استنزاف أو تسوية تحت النار، ستترك آثاراً عميقة على شكل النظام العالمي.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد حرب إقليمية، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة وربما العالم، إنها ليست معركة على إيران وحدها، بل اختبار لقدرة القوة العسكرية على إعادة صياغة التاريخ، وهو اختبار لا تزال نتائجه مفتوحة على احتمالات متعددة.
"الغد"