العرب بين توازنات القوة الإقليمية: مقاربة استراتيجية عقلانية
أ. د. هاني الضمور
10-03-2026 02:02 PM
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط بين و، وفي ظل الدور الحاسم الذي تلعبه في معادلات الأمن الإقليمي، يجد العالم العربي نفسه أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة تتطلب قراءة هادئة وواقعية بعيدًا عن الخطاب العاطفي أو الاصطفافات الأيديولوجية.
فالمشهد الإقليمي اليوم لا يمكن تفسيره بمنطق ثنائي بسيط يقوم على تصنيف الأطراف إلى أصدقاء وأعداء، بل ينبغي فهمه ضمن إطار أوسع من توازنات القوى وإدارة المخاطر الاستراتيجية التي تتحكم في سلوك الدول.
الصراع بين إسرائيل وإيران لا يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، بل هو في جوهره صراع على النفوذ الإقليمي وعلى شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط. فإسرائيل تعمل على الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنته أو تهديده، بينما ترى إيران أن توسيع نفوذها الإقليمي يمثل جزءًا من استراتيجية ردع طويلة الأمد في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وفي هذا السياق تلعب الولايات المتحدة دور الضامن الأساسي لتوازن القوة في المنطقة، حيث تسعى إلى حماية حلفائها وضمان أمن الممرات البحرية الحيوية ومنع بروز قوة إقليمية مهيمنة يمكن أن تعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية بما يتعارض مع مصالحها.
أمام هذه المعادلة المعقدة يجد العالم العربي نفسه في موقع حساس بين هذه القوى المتنافسة. التحدي الحقيقي بالنسبة للدول العربية لا يتمثل في اختيار طرف ضد آخر، بل في تقليل الكلفة الاستراتيجية للصراع على الأمن العربي. فالتجارب التاريخية في الشرق الأوسط تظهر أن الصراعات بين القوى الإقليمية الكبرى غالبًا ما تتحول إلى حروب غير مباشرة تمتد آثارها إلى الدول العربية في شكل أزمات أمنية أو اقتصادية أو سياسية. ولذلك فإن المقاربة الأكثر عقلانية لا تقوم على الانخراط الكامل في أي محور، بل على إدارة التوازن بين القوى المتنافسة بما يحد من انعكاسات الصراع على الاستقرار العربي.
من هذا المنظور يصبح من الضروري تجاوز منطق “عدو عدوي صديقي” الذي كثيرًا ما يُستخدم في تحليل العلاقات الإقليمية. هذا المنطق قد يكون مفيدًا في الحسابات التكتيكية قصيرة المدى، لكنه غالبًا ما يفتقر إلى الاستقرار الاستراتيجي على المدى الطويل. فالتحالفات التي تقوم فقط على العداء المشترك لطرف ثالث تكون عرضة للتفكك بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الأولويات السياسية. لذلك فإن الاستفادة المؤقتة من توازنات القوى لا ينبغي أن تتحول إلى تبعية استراتيجية لأي طرف من أطراف الصراع.
عند النظر إلى المصالح العربية من زاوية استراتيجية بحتة يتضح أن الأولوية الأساسية تتمثل في منع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية. فالحروب الممتدة لا تؤدي فقط إلى تهديد الأمن المباشر للدول، بل تؤثر أيضًا في استقرار الأسواق والطاقة والتجارة والممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإقليمي. كما أن استمرار الصراعات يضعف قدرة الدول على التركيز على التنمية الداخلية ويزيد من احتمالات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
إن المقاربة العربية الأكثر توازنًا يجب أن تقوم على إدراك أن القوى الكبرى، سواء كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، تتحرك أساسًا وفق مصالحها الوطنية الخاصة وليس وفق أولويات الأمن العربي. لذلك فإن أفضل ضمان للاستقرار لا يكمن في التعويل على صراع الآخرين أو انتظار نتائجه، بل في بناء قدرة عربية مستقلة على إدارة التوازنات الإقليمية وحماية المصالح الاستراتيجية للدول العربية.
في النهاية قد تحقق الدول العربية أحيانًا بعض المكاسب نتيجة التنافس بين القوى الإقليمية، لكن السياسة العقلانية تفرض التمييز بين الاستفادة التكتيكية من الظروف وبين التحول إلى طرف في صراعات الآخرين. فالمعيار الحقيقي لأي سياسة خارجية ناجحة يجب أن يكون مدى قدرتها على حماية الاستقرار العربي وتعزيز السيادة الوطنية، وليس مجرد تحقيق مكاسب مؤقتة في سياق صراع قد تتغير موازينه في أي لحظة.